الخلافة الراشدة(2)
حروب الردة: الشرعية السياسية والضرورة الأمنية في مواجهة التمرد الانفصالي
أبعاد مواجهة التمرد الانفصالي وشرعيتها السياسية والأمنية
انطلقت الخلافة الراشدة وأول عهدها مع الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بوصفها الامتداد الشرعي ــ السياسي والاجتماعي والاقتصادي ــ لمسيرة الدولة الناشئة التي أرسى قواعدها النبي ﷺ في المدينة المنورة، وقد التزمت الخلافة بالمحددات المنهجية والرؤية التأسيسية ذاتها في إدارة الشأن العام ومحاكمة السياسات الداخلية والخارجية لمشروع الأمة السياسي والاجتماعي.
لم يكن التحدي الأبرز الذي واجهته الخلافة مقتصراً على التحول العقدي لدى بعض القبائل ( الردة)، بل كان تجسيداً لحركة نكوص وانفصال سياسي كامل عن المواثيق الجامعة التي تواثق عليها المجتمع في العهد النبوي، ولم تقف تلك القبائل عند حدود الانسحاب الإداري والتنظيمي، بل عمدت إلى ممارسة سلوك تقويضي مفسد، وشكّلت بؤراً مسلحة تستهدف أمن الرعايا الذين يحتمون بمظلة دولة الخلافة، في محاولة لإعادة إنتاج نمط الحياة الجاهلية القائم على الغزو، والنهب، واستباحة الدماء، والاستعلاء الفردي على حساب سيادة القانون.
إن هذه الذهنية الانفصالية، بما تنطوي عليه من نزوع نحو الإفساد المنظم وتجاوز الحرمات، فرضت على سلطة الخلافة ممارسة مسؤولياتها السيادية والإنسانية في حماية الأمن المجتمعي، وجاءت التحركات العسكرية آنذاك في إطار حماية كيان الدولة، ومحاربة الجريمة المنظمة وقُطّاع الطرق، استناداً إلى المنظور القرآني الحاسم في تشريع عقوبات المحاربة والإفساد:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكُ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ () إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 33-34].
ومما يجب تحريره منهجياً، أن الحملات التي وجهها الخليفة ــ جيوش حروب الردة ــ لم تهدف إلى مصادرة حرية الاعتقاد، إذ إن النص القرآني يكفل حماية الوجدان الإنساني ويحظر الإكراه في الدين:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
ومن ثمّ، تتضح الدوافع الحقيقية لهذه المواجهة باعتبارها رداً سيادياً وأمنياً ضد تنظيمات هددت السلم الاجتماعي، لتباشر الدولة حقها المكفول في استرداد هيبتها وكبح جماح النزعات المهددة لاستقرار مجتمعها، وهو ما تفعله الكيانات السياسية المستقرة عبر التاريخ.
البعد الاقتصادي للزكاة وإشكالية الفهم التاريخي والفقهي
يرتبط بهذه المواجهة ( حروب الردة) قضية طالما أُثيرت حول امتناع بعض القبائل عن أداء الزكاة باعتباره الباعث الرئيس للحرب، ولا ريب أن هذا الامتناع كان سبباً جوهرياً، بيد أن فهم هذه القضية يقتضي تجريدها من الاختزال الفقهي الضيق، وإدراك المفهوم المنهجي للزكاة في صرح الدولة الوليدة.
ثمة خلط شائع بين الزكاة بوصفها شعيرة تعبدية فردية، وبين كونها الركيزة الأساسية للنظام الاقتصادي والاجتماعي والمالي للدولة، أي ما يعادل مفهوم "الضرائب المباشرة والالتزامات المالية السيادية" في العصر الحديث، وقد نجم عن إغفال هذا المفهوم المنهجي اتجاهان جانبا الصواب:
ـــ الاتجاه التقليدي الضيق: فقد اختزل المسألة في ترك فريضة تعبدية تستوجب القتال، إذ يرى هذا الاتجاه أن الزكاة فريضة دينية وركن من أركان الإسلام، فمن تركها وجب على المسلمين حربه، وهذه الرؤيا حسب زعمهم هي حجة أبي بكر في حروب الردة دون اعتبار للأبعاد السياسية والاقتصادية للكيان الجامع.
ـــ الاتجاه الحداثي القائم على القراءة التفكيكية: فقد نظر إلى قضية الزكاة بذات الرؤية التي اعتقدها الاتجاه الأول ولكن لأنه لا يرى وجوب حرب من ترك هذه الشرعة أو أي شرعة في منهج الإيمان فقد ذهب مذهباً رأى فيه أن حروب الردة هي تعدٍ على حرية الإنسان في اختياره ما يؤمن به، وأن الخليفة قد مارس نوعاً من الإكراه والاستبداد السلطوي، ولاشك أن هذه الرؤية هي قراءة تاريخية قاصرة وهي صورة من صور التغافل عن الأبعاد الأمنية والقانونية الفعلية للحدث.
لقد غاب عن كلا الطرفين المنظور المنهجي للقرآن الكريم وللممارسة النبوية التي أسست لمفهوم "الأمة/الدولة" ذات السيادة المتكاملة.
إن الامتناع عن أداء الزكاة في ذلك السياق لم يكن مجرد تقاعس فردي عن واجب مالي، بل كان إعلاناً صريحاً للتمرد المسلح، والانفصال عن المنظومة السياسية، وتقويضاً للاقتصاد العام، ولو أسقطت هذه الحادثة على المعايير القانونية الحديثة في أكثر الدول ديمقراطية، لتصرفت السلطة بحزم مماثل لمواجهة أي مجموعات مسلحة تعلن الخروج عن القانون وتستهدف النظام المالي والأمني للبلاد.
ومن هذا المنطلق تتجلى الحكمة السياسية والقانونية الحاسمة في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والذي سجله التاريخ له:
«وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا ـ العَنَاق: هي أنثى المعز الصغيرة ـ [وفي رواية: عِقَالاً] كَانُوا يُؤَدُّونَها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِها» (1).
تكشف هذه القراءة التحليلية عن أن موقف الخليفة أبي بكر الصديق والصحابة في التعامل مع ملف حروب الردة كان موقفاً يتسق مع منطق "أسس بناء الدولة وتأسيس السيادة" وفق أفضل ما تعارف عليه الفكر السياسي والقانوني الإنساني عبر التاريخ، وعلى الرغم من اختلاف المصطلحات وتطور المرجعيات بين العهود التاريخية، فإن الجوهر القانوني واحد: "لا يمكن لأي دولة أن تستكمل وظائفها الحيوية في إدارة المجتمع وتوفير الأمن والعدالة ما لم تملك حصرياً احتكار أدوات القوة السيادية، فتمنع التمرد المسلح والانفصال غير المشروع عن أركان عقدها الاجتماعي والاقتصادي".
لقد كان موقف الخلافة تعبيراً عن صيانة دولة القانون، وحماية أركان السيادة، والتصدي لمحاولات التفكيك والانقلاب الشامل على العهود والمكتسبات الجامعة.
إن القراءة الحقيقية للتاريخ تتطلب تجاوز الأحكام المتسرعة، أو الرؤى الجزئية أو الانطباعات التسطيحية التي تفصل المبادئ عن أبعادها المجتمعية والسياسية والاقتصادية، التزاماً بمسؤولية الكلمة وأمانة البحث.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب/70]
أتابع بإذن الله دراسة جميع التحديات التي واجهتها الخلافة الراشدة في بحوث قادمة.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/8/27
.........................................................................................................................
(1) أخرجه البخاري: الجامع المسند الصحيح، كتاب الزكاة، رقم الحديث [1400]