مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
الدراسة اللسانية
لا تنعقدُ الدراسةُ اللسانيةُ في جوهرها كحقلٍ معرفيٍّ جامدٍ يقتصرُ على تفكيك بُنية الكلمة وتتبعِ الظواهر الصوتية المجردة للحروف، بل هي في حقيقتها نشاطٌ إدراكيٌّ وحركةُ وعيٍ تغوص في فقه الخطاب الإنساني، بوصفه الأداةَ الحيويةَ الصانعةَ للتفاعل المجتمعي، وعلى ذلك فالدراسة اللسانية هي سلوك مسؤول في فهم الكلمة وبناء الجملةِ وصياغة النص وصناعةِ الحوار.
وإذا ما استقرأنا التاريخ البشري، نجد أن الإنسان كائنٌ تفاعليٌّ، لا يستقيمُ له عيشٌ ولا تؤسَّسُ له حضارةٌ أو أسرةٌ إلا بوجود "الكلمة"، إذ هي الركيزةُ والمشتركُ الإنساني وهمزةُ الوصل التي تذلل عقبات الوجود، دافعةً بالحياة نحو شواطئ الاستقرار والسلام.
لقد اقترنت كينونةُ الإنسان بامتنانٍ إلهي عظيم تمثّل في هبة "البيان"، فالحقُّ سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان، رفده بالقدرة على التعبير والإبانة عمّا يخالجُ وجدانَه، وفهمِ ما يصرح به الآخرون، ويتجلى هذا التلازم الوجودي في محكم التنزيل بقوله تعالى:
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} سورة الرحمن
إن "البيان" في السياق القرآني يمثّل منظومةً متكاملةً تشتمل على الملكة الذهنية الإدراكية التي تُمكّن الإنسان من تمحيص المعارف وتحليل الأفكار الواردة إليه والملكة اللفظية الناطقة التي يُترجم بها عن مشاعره وأفكاره، وهذا التكامل هو الجوهر الاصطلاحي لـكلمة "اللسان" في الخطاب القرآني، وهو مناطُ التكليف، وأساسُ المسؤوليةِ والمساءلةِ الأخلاقيةِ والدينيةِ يوم القيامة.
ومن هنا، عُبِّر باللسان مجازاً مرسلاً (باعتباره جارحة النطق) عن مجمَل الوعاء البياني والنسق الحواري الذي تتمايز به الجماعات البشرية، فيُقال: "لسان القوم".
إن دراسة لسانِ مجتمعٍ ما هي في عمقها دراسةٌ لـ:
ــ لتاريخه التراكمي ومستويات وعيه المعرفي
ــ نسقه القيمي والأخلاقي
ــ قدرته على التفاعل مع المتغيرات والمؤثرات التي طرأت على بنيته الثقافية
فاللسان يتبدّى ككاشفٍ حضاريٍّ، إذ تعكسُ مفرداتُه وصيغُه ومصطلحاتُه التحولاتِ المجتمعية، حيث تتطور دلالات الألفاظ لتستوعبَ تمثيلاتٍ وصوراً ذهنيةً جديدة لم تكن معهودةً من قبل،
وإن طبيعة التواصل اللساني السائد في زمن ما تمنحنا مؤشراً دقيقاً عن الحالة الأخلاقية والسياسية والإنسانية للأمة، ففي حالات الانكفاء والانهيار الحضاري تميل المجتمعات إلى تداول مفرداتٍ مأزومة، بل وتلجأ إلى تزييف الواقع عبر شحن الألفاظ بمدلولاتٍ غريبة تخرج عن سياقها اللساني الأصيل للتغطية على واقعها المرير، وفي حالات الرقي والازدهار الإنساني يترفع اللسان وتسمو المفردات لتشيعَ قيماً تعكس حالة الاستقرار والنهوض الأخلاقي.
مستويات التحليل اللساني ومنهجية الدراسة
تتوزع الدراسة اللسانية (في إطار الغاية المتوخاة هنا) على ثلاثة مستويات بنيوية رئيسة:
ــ المستوى الصرفي ويُعنى بالبحث في بنية الكلمة وهيكلها في كل صياغة ترتسم بها
ــ المستوى البياني (الدلالي) ويستهدف الكشف عن دلالات الألفاظ ومرادها
ــ علم النحو ويختص بدراسة أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً، وتحديد مواقعها ولوازمها
ثمّة فروعٌ وأبعادٌ لسانية أخرى وتخصصات بينية سأتجاوز عنها ههنا رغبةً في تركيز الجهود حول المقصد الأسمى للدراسة.
إن توظيفنا للمستويات اللسانية آنفة الذكر في مقاربة النص القرآني، لا يقف عند حدود الترف الفكري، بل ينطلق من مطلبٍ أساسي وضرورةٍ معرفيةٍ ملحّة وذلك لكسر القيود التي كبلت عملية تفاعلنا مع الخطاب الإلهي الموجه إلى الناس، وإن الهدف هو الوقوف على حقيقة مراد الخطاب القرآني ومقتضياته، كخطوةٍ تأسيسية لفهم منهج العبودية لخالق السماوات والأرض، من خلال معطيات كلمات الرحمن، فمن شأن هذا المنهج اللساني الرصين أن يتيح لنا عملية استيعاب الرسالة السماوية بنقائها وأصالتها الربانية من خلال التعرف على الذات الإلهية بالصورة التي أرادها سبحانه وتجلّت في كتابه، بعيداً عن تأويلات القاصرين وتخرصات المغرضين، ومن خلال إدراك حقيقة الرسل والأنبياء ومقامهم ومسؤولياتهم كما رسمها الوحي، لا كما تصورتها الرؤى البشرية القاصرة ومن خلال فهم طبيعة التكليف المناط بالإنسان كفرد وكمجتمع، وذلك بالصورة والحدود التي رسمها وبينها كتاب الله لا بالصورة التي يريد أن يرسمها أولئك الذين يريدون أن يهربوا من مسؤولياتهم.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ