مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
التاريخ ليس سجلاً للأحداث فقط بل هو مصدر أساس لتفعيل إدراكنا المعرفي وإثراء هويتنا الفردية والجمعية وتعزيز شعورنا بالانتماء لقضية إنسانية اتسعت عبر الزمان والمكان.
والدراسة التاريخية ليست مجرد تجميع سرديات عن الماضي، بل هي عملية تحقيق منهجي في الماضي من خلال محاولة لفهم أفضل للأحداث، حتى تكون هذه الدراسة أداة حيوية لفهم ما نحن عليه اليوم.
تختلف الدراسة التاريخية في قراءتها للخبر عن عمل الرواة فوظيفتهم نقل الرواية عمن رواها قبلهم أو عمن عاشها والتفاعل مع هذه الرواية أو تلك ضمن نطاق الرواية ذاتها أما الدراسات التاريخية فإنها تهدف إلى التفاعل مع الخبر انطلاقاً من اعتبار هذا الخبر جزء من صورة توصّف ما حدث في الماضي من مسيرة مجتمعية ساهم في صناعتها شخوص كثر وعوامل عديدة وكل يؤثر ويتأثر وعلى ذلك هي تسعى لتحليل أسباب وقوع الأحداث والصورة التي سارت عليها والعوامل التي أثرت في تلك الأحداث من خلال نهج منظم ودقيق وبيان أهمية تلك الأحداث وتأثيرها على الحاضر والمستقبل وتعلم الدروس من الماضي لتقديم رؤى ذات قيمة حول القضايا المعاصرة التي نعيشها.
لذلك لا بد لأي دراسة تاريخية من توفر مصادر تكون دليلاً صادقاً وذلك لبناء صورة أقرب للحقيقة عن ذلك التاريخ الذي مضى وإن التقييم الصارم للمصادر التاريخية وما تتضمنه له أهمية قصوى في بيان أصالتها ومصداقيتها، وذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح النقد الخارجي والنقد الداخلي للرواية التاريخية.
إن التقييم الموضوعي للمصادر التاريخية من خلال النقد الخارجي والداخلي أمر أساس في منهج الدراسة التاريخية، مما يوفر الإطار الضروري لتقديم رؤية صادقة عن الماضي، وعلى ذلك يمكن أن نفصّل فنقول:
إن النقد الخارجي يتضمن تحقيقاً منهجياً في أصل المصدر بما في ذلك تحديد متى تم إنشاؤه وأين تم إنتاجه ومن قام بإنشائه ومن أي مادة موجودة مسبقًا تم نسجه وصياغته، وتقييم مؤهلات المؤلف وخبرته في الموضوع، ومدى قربه زماناً ومكاناً من الحدث التاريخي الذي يتم وصفه، والنظر في وجود أي تحيزات أو غايات قد تؤثر في روايته، حيث يمثل التحيز والذاتية تحدياً قوياً في البحث التاريخي، لأننا وعلى كثير من الأوقات نجد التحيز والذاتية تتخللان المصادر التاريخية نفسها والتفسيرات التي يوثقها المؤرخون، فالمصادر التاريخية دائمًا هي نتاج عصرها وتعكس وجهات النظر والقيم والأغراض المحددة لمن أنشأها، أولئك الذين تشكلوا من خلال سياقاتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، حيث يمكن أن تؤثر خلفياتهم وتجاربهم وتصوراتهم والمناخ الفكري والثقافي والسياسي السائد دون وعي على اختيارهم وتفسيرهم وعرضهم للأخبار التاريخية، وهذا يستلزم درجة عالية من الوعي الذاتي والتفكير النقدي والصدق الأخلاقي من جانب دارس التاريخ.
أما النقد الداخلي فيكون بتقييم موثوقية ودقة المعلومات الواردة في المصدر من خلال النظر في المعنى المقصود واتساق هذه المعلومات، وكل هذا يعد أمراً بالغ الأهمية للتفسير التاريخي الرصين.
إن دارس التاريخ يتحمل مسؤولية أخلاقية مما يُلزمه ذلك أن يتعامل مع الموضوعات التاريخية بصدق ودقة وشمولية وإحساس عميق بالنزاهة وذلك لتجنب تحريف التاريخ في سعي ليناسب غاية ما، وكذلك لصناعة فهم أكثر استنارة في قراءة الماضي، ولتحقيق تفسيرات عادلة ومتوازنة للأحداث لأن ذلك التاريخ لابد له أن يُلقي بظلاله على الحاضر والمستقبل.
يمكن أن يساعد الفهم العميق للتاريخ على التعرف على الأنماط الإنسانية المتنوعة والتعلم من النجاحات والإخفاقات السابقة وتعزيز الابداع من خلال استلهام الأمثلة التاريخية مما يوفر ذلك رؤى ذات قيمة للتخطيط العميق والبعيد لحاضر الإنسان ومستقبله من خلال اتخاذ قرارات ناضجة وحكيمة وشاملة تعالج مشاكلنا المعاصرة وترفع سوية مجتمعاتنا.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ