مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
منطق التدبر ومسؤولية الوعي
إنَّ التدبر في آيات الذكر الحكيم لا يمكن أن يكون حالة اشتغالٍ معرفي وكفى، أو حرفةٍ يُبتغى بها عرض الدنيا، وإنما هو مسؤوليةٌ تُمارسها مشاعر خوف تخشى الله وتطلب رحمتَه ، وإن جوهر التدبر يكمن في إحاطة النص القرآني بسياجٍ من الالتزام النفسي والذهني والسلوكي، وأن يعيش المتدبر هذه الدنيا وكأن القرآنَ عليه نزل، حاملاً أمانة البلاغ، ومستنفداً طاقته في نشر الهداية، لا تخطفه الدنيا بين ساعة وأخرى، بل يصبح الهم هم الآخرة ويصبح المسعى مسعى الآخرة.
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} سورة الزمر/
ثمة مفارقةٌ لافتة في أدبيات الدراسات القرآنية المعاصرة، فبينما يلهج الباحثون بقضية وجوب مسيرة تدبر القرآن ووضوح دلالاته ويسر معانيه، نراهم يحيلون مقاصده ومراد آياته في دراساتهم القرآنية إلى ألغازٍ معقدة، تتطلب أدواتٍ تفكيكية مجهدة، جعلت المتلقي يتوه بين ما يعنون من يسر النص وبين تعقيد أدوات الفهم، ولاريب أن هذا المسلك لم يفضِ إلا إلى تعميق هوة الاغتراب بين المسلم وكتاب ربه، وتوسيع رقعة التيه والقلق في الساحة الدينية، و لقد أسهمت بعض المنابر في تكريس حالة الاغتراب هذه وذلك من خلال جعل فهم النص القرآني حكراً على نخبةٍ ضيقة، وكأن الشعار الذي يرفع لينادي بيسر فهم القرآن لم يكن إلا مسوغاً لتبرير خوضهم في النص القرآني، وصياغة رؤىً تخدم مرادهم الذاتي لا مراد الوحي.
لقد انصرفت الجهود في تعليل تخلف الواقع الإسلامي وذلك لغياب الفهم الصحيح للنص، فتعددت المنابر بين تقليدية وحداثية وراح كل واحد منهم يقدم ما في جعبته من فهوم مستعيناً بأدوات يملكها أو يراها مناسبة للبرهان على صحة ما يذهب إليه، بينما تم إغفال السبب الجوهري الكامن في البنية النفسية للإنسان المسلم؛ تلك البنية التي تشبعت بقيم الخنوع والأنانية، واستمرأت التخاذل عن العمل لغدٍ مجتمعي جاد.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة
إن النفس المتخاذلة تعمد دوماً إلى اختراع ساترٍ فكري تحتمي به من استحقاقات المسؤولية؛ ولعل الاستغراق في دوامة المناهج وإغراق النص بآليات فهمٍ متصارعة ليس إلا نوعاً من التشويش الممنهج على المقاصد الأخلاقية والسلوكية الواضحة التي دعانا إليها كتاب الله، مما يؤدي إلى تمييع المسؤولية الجادة وتغييب الغاية الوجودية للرسالة.
من الترف الفكري إلى روح الإحياء
إن المقصد الأسمى من تصحيح المفاهيم النظرية في القرآن هو معالجة اعتلال السلوك وأمراض القلوب، لا الاستغراق في جدلٍ مقيت لنتوه معه في دوامة الفكر العقيم، وإننا عندما ننظر فيما ذهب إليه كثير من الباحثين نرى أن جلّ نتاج دراساتهم لكتاب الله خلاف هذا المقصد، إذ جعلوا من عملية تصحيحِ المفاهيم النظرية هو الغايةُ المنشودة والمطلقة ولا غاية غيرها، لذلك نراهم يستغرقون فيها تيهاً واضطراباً ويتناسون القضية التي يسعى القرآن إلى علاجها، وإن هؤلاء ومن سار مسيرتَهم إنما يبتعدون ساعة بعد ساعة عن مراد ومقصد كتاب الله، وذلك ما يجرنا إلى انتكاسات يوما بعد يوم، ولا يزيدنا إلا اختلافاً وتفرقاً وضعفاً.
نحن على الحقيقة لا نحتاج فهوماً ــ حداثية كانت أم تقليدية ــ تجعل من آيات كتاب الله ألغازاً، وتكون ترفاً في ساحة الفكر، نُمتعُ بها عقولَنا أو حكاياتٍ نتسلى بها أو جدلياتٍ نتراهنُ عليها ونتخاصم، لا نحتاج جلبَ فهومٍ تزيد أزماتِنا أكثر فأكثر، من أي مكان ومن أي مرجع كان، بل إن جلّ ما نحتاجُه هو قراءة كتاب الله بالروح التي نزل بها، هذه الروح التي تعيدُ بناء جمعنا، لتعيدنا إلى موقع الشهادة، هذه الروح التي فقدتها مجتمعاتُنا، ولا يمكن أن تعود إلا باستحضارنا لتلك المفاهيم الجادة وتفعيلها على أرض الواقع، تلك المفاهيم القرآنية التي غيبناها أو جعلنا حولها أكنة من الأفكار النظرية المضطربة.
إن المفاهيم التي نريد استحضارها لا تحتاج منا إلى علومٍ جدلية ولا إلى أي أدوات معرفية شائكة ولا إلى سردية تطور الدلالات التي تغير من مراد آيات كتاب الله، إنما تحتاج صدقاً مع الله ونقاءً في القلوب ووقفةً شجاعة ومسؤولة وإرادةً فعّالة.
إن أول هذه المفاهيم التي نريد استحضارها هو أن نكون أمة واحدة من خلال رفض حالة الاختلاف في الدين، هذه الحالة التي أرهقتنا زمناً فاستنزفت الطاقات وعطلت مسيرة النهوض، وهي هي من كانت النفوس المريضة أساتذةَ صناعتِها فتعهدت قواعدَ تثبيتها.
نحن على الحقيقة لم نعمل على تحقيق مفهوم الأمة الواحدة بمسؤولية ولم نسع للكشف عن الأسباب التي ساهمت في تكريس ظاهرة الاختلاف هذه الظاهرة التي تجسد أساس حالة الضعف والهزيمة التي نعيشها.
تأسيساً على ذلك، يعتزم هذا المنبر بإذن الله أن يكرس جهوده للوقوف على القضايا الحقيقية الميسرة والجادة سعياً لصناعة جيل متحرر من قيود العبثية التي شتت جمعه ومن أوهام الجدال الزائف التي كبلت سلوكه المسؤول وأربكت مشاعرَه الصادقة.
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ