مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)
شهدت الساحة الفكرية المعاصرة عند عديد من المنابرتصاعداً ملحوظاً في حدة الخطابات التي تنادي بإعادة قراءة النص القرآني وفق رؤىً توصف بـ "التجديدية" أو "الحداثية"، بيد أن الفحص المعرفي الدقيق والمحاكمةَ النقدية الواعية لهذه الأطروحات تكشفُ عن أن هذه القراءات لا تعكسُ تصوراً قرآنياً أصيلاً، بل هي حالة تُمثّلُ استزراعاً قسريّاً لأفكار حداثية غريبة وافدة، أُلبست رداءً قرآنياً لتكتسب شرعية القبول.
إن خطورة هذا المسعى لا تكمن في قضية التجديد فقط، بل في آلية "التمييع" المعرفي التي تخضع لها المفاهيم القرآنية المحكمة، واغتيال مقاصدها الحية وسلخها من سياقها الوجودي عبر إخراج الفهم الرسالي الأصيل وهدايته الإنسانية عن مساره الرباني، وهو ما يشكّلُ المزلق الأخطر في هذا الطرح المعاصر.
من أبرز المنابر التي تصدرت هذا المشهد الفكري، وأحدثت صدىً واسعاً في الفضاء الثقافي الديني، منبر الدكتور محمد شحرور.
لم يكن هذا الحضور الكثيف لخطابه وليد متانة في البناء النظري أو في عمق الحقيقة العلمية التي يقدمها، بل كان ثمرة استثمار ذكي لآليات التواصل الحداثية، وتوفر مناخات إعلامية وسياقات فكرية موجهة هيأت له ولأطروحته سبل الانتشار ما لم يتهيأ لغيره من المصلحين.
قبل الدخول في غمار التفكيك النقدي والتقييم المنهجي لمصنفه التأسيس (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة)، فإنه من حق البحث العلمي أن يتوجه بسؤالٍ موضوعي إلى أولئك الشغوفين بهذا المنهج:
هل وقفَ الضمير الفكري المتلقّي لهذا الخطاب على الأصول المعرفية التي شيّد عليها المؤلف أفكاره ومراميه؟ وهل حظيت تلك الأفكار التأسيسية قراءةً فاحصةً مستبصرة بعيدة عن الانبهار؟
إن الدعوة قائمة هنا لمشاركة بحثية مسؤولة، قوامها التوكل على الله، وغايتها تلمّس الحقيقة في هذا السفر المثير للجدل.
إن الصدى الذي أحدثه خطاب الدكتور محمد شحرور لم يرفد الفكر الإسلامي المؤمن بلبنات بناء إيجابية، بل خلّف في الوجدان الإيماني حالة من الاضطراب المعرفي والتشويش المنهجي، وإن مثل هذه البناء المهتز لا يمكنه بحال من الأحوال أن يؤسس لـ "جيل قرآني" رسالي يستوعب مراد الوحي القرآني، ولا شك أن مآله صياغة وعي زائف وانطلاقة مشوّهة، لا تنتج إلا جيلاً مأزوماً برؤية واهمة، يعجز عن خدمة الرسالة القرآنية في حيز الواقع الحقيقي.
ومن هنا نطرح الاستفهام التأصيلي التالي:
هل قدم الدكتور محمد شحرور منهجاً (معرفياً) بديلاً ومستقلاً عن مناهج التراث؟ أم أنه مارس "انتقائية" في حقول التراث نفسه، فانتزع منها ما يوائم مسبقاته الفكرية، ثم أعاد تصديرها بلغة العصر ومسمياته وبمصطلحات براقة تستهوي أصحاب العقول الظامئة للتغيير وأولئك الشغوفين بالتحديث الشكلي، مع تغييب تام لآليات المحاكمة المعرفية الناضجة؟
ثم هل يمتلك المتلقي لهذا الخطاب رؤية منهجية منضبطة في التفكير تكرّس وعياً في رفض أو قبول مخرجات ما أصل له الدكتور محمد شحرور؟ أم أن قبول هذه الأطروحة لم يكن سوى ردة فعل متسرعة تجاه تهافت بعض نتاج المناهج التقليدية، أو نمطاً من محاولة لتغييب التكليف المعرفي والمسؤولية الجادة من خلال ظلالِ "مبرر شبه ديني" يستخدم مصطلحات حداثية متضخمة توهم على من يسير وهو حامل رايتها فتمنحه استعلاء معرفياً زائفاً وتميزاً فكرياً هو أبعد ما يكون عن ذلك؟
عندما يلتفت الباحث الصادق إلى مجتمعه فيجده مكبلاً بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية، فإن المسؤولية الأخلاقية والمعرفية تحتم عليه الارتداد إلى الوحي القرآني لالتماس الشفاء والحلول الناجحة.
لقد قدم الدكتور محمد شحرور نفسه بوصفه صاحب مشروع معرفي يحمل رؤية تجديدية بمنطلقات قرآنية لحل أزمات الواقع، بيد أن القراءة المتأنية والمستوعبة لـمتن مصنفه (الكتاب والقرآن) تكشف عن مفارقة حادة وتنتهي بنا إلى حقيقة صارخة، تقول لنا: إن الكاتب حين كان يقرأ النص القرآني فإنما كان يتناوله بعقل تقليدي ولكن بنظم حداثي، وتفصيل ذلك أن الدكتور محمد شحرور قد وظّف النص القرآني لإعادة إنتاج العقل التقليدي مستنداً إلى لسان العصر ومصطلحاته ، فتراه في المسائل العقدية والفلسفية يستعير أدوات المعتزلة ومنهجهم الكلامي مكسواً بمصطلحات الجدل المعرفي ودراسات هيغل، وحينما ينظر في "آيات الأحكام" فإنه يرتد إلى العقل الأصولي الفقهي التقليدي فتجده مرتهناً له دون فكاك، ولا يخرج عن فلكه التفسيري.
قد يبدو هذا الحكم صادماً للمنبهرين بمشروعه، لكن سبر أغوار المصنّف سيكشف لنا عن هذا التناقض المعرفي في منهجه على نحو جليّ.
إن المأزق المعرفي الأول الذي ركّس أطروحة شحرور يكمن في خطأ التشخيص، إذ افترضَ واهماً أن أزمة الأمة هي أزمة معرفة محضة تتمحور حول ثنائية (الجهل والوهم)، فرأى أن النهوض لا يكون إلا بامتياز نظرية معرفية إنسانية تبدأ بنقد البنية الدينية التراثية، ولتحقيق ذلك، ولج إلى النص القرآني باحثاً عن هذه النظرية متسلحاً بأدوات غير متجانسة [خلفيته الرياضية والهندسية، وباطلاع مشوش على الفلسفات المادية كالجدل المادي والتاريخي ] مستعيناً بقراءات غير مستقرة في علم الكلام، لا سيما في ثنائية الاعتزال والأشعرية، وبثقافة لسانية انتقائية اتكأت بشكل رئيس على معجم (مقاييس اللغة) لابن فارس، فتوهم أن هذه الأدوات كفيلة بصياغة مثل هكذا نظرية معرفية تنتشل بها الأمة من واقع انكسارها، لكن غاب عن وعي الباحث – وكغيره من الحداثيين – أن أزمة الأمة في حقيقتها ليست أزمة معرفة وعلم، بل هي أزمة إرادة وأزمة وجود فاعلة.
إن مجتمعاتنا تفتقر إلى الإرادة الأصيلة التي تدفعها لتجاوز كبواتها الفكرية والحضارية، وتخطي أزماتها الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وأصالةً فإن غياب هذه الإرادة الفاعلة هو السبب الأول الذي سمح لحالة الجهل والتخلف والاستبداد أن توطن جذورها في كل زوايا مجتمعاتنا.
إن حركة النهضة الحقيقية لا تصنعها النظريات المجردة، بل يصنعها جيل جاد يمتلك إرادة التغيير الفاعلة وإن كل حركة نهضة حقيقية قامت وأصلت أركانها فلأنها كانت تملك جيلاً جاداً أراد صناعة حاضرٍ ومستقبل مختلف وإن التجارب التاريخية لتخبرنا بذلك تماماً وأعظم دليل تجربة النبي محمد سلام الله عليه ومن كان معه من جيل التأسيس، فذلك الجيل الجاد لم ينتصر لأنه امتلك نظرية معرفية باردة بل لأنه امتلك الإرادة الإيمانية الصارمة والمسؤولية العالية، فتمكن بمنهجية القرآن من صياغة حالته الحضارية وبُعدها المعرفي، فحيد بها كل قوى التخلف المحيطة، رغم امتلاك تلك القوى نظريات معرفية متعددة الأنماط.
{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}
إن القراءة المسؤولة للتاريخ تؤكد أن السلاح الأول المفقود اليوم هو "الإرادة الجمعية"، وإن فقدان هذه الإرادة وتغيب استدعائها يعود على نحو كبير إلى ذلك الفكر السلبي الذي تشيعه منابر الفكر الحداثي والتي تدعو – بوعي أو بدون وعي – إلى ترسيخ حالة التشرذم والفرقة عبر تقعيد نظريات تبيح الاختلاف وتؤصل للتفكك
إن مثل هذه المنابر تتحمل مسؤولية صناعة ملل ونحل فكرية جديدة معاصرة لا تختلف في جوهرها الأصولي عما قدمه الفكر الديني التقليدي من مذاهب وشيع وتيارات متخاصمة
وسنرى من خلال فصول هذه الدراسة النقدية والموضوعية للمصنف (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة) كيف تحوّل منبر الدكتور محمد شحرور إلى عامل من عوامل صناعة هذه الشرذمة المعرفية للأمة، وكيف ساهم في تعميق مأزقها الوجودي بدلاً من معالجته
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/6/16