مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
"لسان صدق": نحو مقاربة مسؤولة لبناء الوعي الإيماني الأصيل
"لسان صدق" يمثل مشروعاً فكرياً يسعى لتشخيص الأزمة المعرفية في الفضاء الديني المعاصر، واستشراف آفاق العودة إلى "المفهوم الإيماني" في نقائه الأول، انطلاقاً من ضرورةٍ فكرية ومسؤوليةٍ أخلاقية، تهدف إلى إعادة قراءة مفاهيم الإيمان في ضوء المرجعية القرآنية الصافية، بعيداً عن صخب السجالات التي أرهقت العقل المسلم المعاصر.
تتبدى الأزمة الراهنة في الفكر الديني من خلال حيرة المتلقي أمام سيل من القراءات المتنازعة، مما يدفعه ذلك لطرح سؤال جوهري حول مدى تمثيل هذه الأطروحات لجوهر الفكر الإيماني الأصيل سواء كانت نتاج قراءات تقليدية أو تلك المتلحفة بلباس العقلانية الحداثية والتنويرية....
إن الواقع يشير إلى أن الطرفين ورغم تباين أدواتهم المعرفية فإن ثمة تقاطعاً بنيوياً بين النزعة التقليدية والتوجهات التنويرية، وكلاهما قد سلك مسارات أدت في مخرجاتها إلى تغييب القضايا الوجودية الكبرى والتغافل عن آلام الناس الحقيقية، لصالح جدليات صنعت سجالات فكرية عقيمة أدت إلى حالة تجهيل متبادل وقطيعة معرفية.
لقد أصلت قراءات المدارس الحداثية التنويرية والمدارس التقليدية شرعية الاختلاف والتشرذم والفرقة في الفكر الديني، مما كان لذلك الأثر الأكبر في إعادة إنتاج أخطاء مَن كان قبل، من أهل الكتاب، وتراجع أمةِ رسالةِ القرآن عن القيام بدورها الحضاري المتمثلِ بموقع الشهادة على الناس وهي ذاتها ـ أي الفرقة ـ والتي وجّه لها كتابُ الله نقداً لاذعَاً لأنها كانت عاملاً رئيساً في انشغال أصحاب الرسالات السابقة عن مقاصد الرسالة الأساس وتآكل البنية القيمية التي تسعى إليها رسالات الله.
مع كلِ هذا السيل الجارف من أطروحاتٍ تقدم مسيرةَ الإيمان ومع كل هذا الكم من الاختلاف في تلك الأطروحات، والتي تبث حالة من التشويش في المشهد الديني، وتُلقي بظلال من الضبابية والاضطراب عند كل قارئ أو مستمع، يأتي "لسان صدق" كمنبر فكري يريد أن يشارك القارئ الكريم آلامه ورؤيته حتى نمهد لعودة إيمانية أصيلة بمسيرة خير وبصيرة.
لماذا "لسان صدق"؟
نسعى في هذا المنبر "لسان صدق" للإجابة عن أسئلة جوهرية باتت تؤرق فكرنا ومشاعرنا، أسئلة نقدية تلامس صلب الأزمة التي يعيشها عالمنا الإسلامي، من هذه الأسئلة:
* لماذا تُستهلك الطاقات في طرح أفكار متصادمة تؤصل للنزاع والفرقة ولا تخدم مقاصد الهداية؟
* لماذا يُستنزف الوعي الجمعي في قضايا هامشية لا تشكل معالم "صراط الهداية"، ولا تمس جوهر النجاة في الآخرة؟
* هل أذن كتاب الله لحالة الاضطراب والتناقض والتخاصم التي نراها بين التيارات الفكرية أن تكون هي رسالة الإيمان؟
* والسؤال الأهم: ما هو مفهوم الإيمان الذي تريد رسالة القرآن أن تقدمه كمنهج معرفي وقيمي متكامل وثابت وواضح يتجاوز الظنية والتردد ويؤسس لليقين، إذ لا تردد فيه ولا تنازع ولا اختلاف؟
من خلال هذا المنبر "لسان صدق"، وبعون من الله سنعالج هذه الأسئلة وغيرها، وسنكشف عن الأسباب الحقيقية وراء حالة التشرذم والاضطراب التي يعيشها المجتمع، والتي أورثت قلقًا عميقاً حول مصداقية الاتجاه الذي نسير عليه.
سنناقش هذه القضايا بكل وضوح وشجاعة، وسنرتل من خلال كتاب الله الرؤية الإيمانية الأصيلة، هذه الرؤية التي قُدمت لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم، رسالة متكاملة لا تُشتت القلوب، ولا تنثرُ فكرة هنا أو هناك بل تصوغُ مسيرة رصينة بينة في غايتها، واضحة في معالمها وخطواتها.
هذا المنبر يريد أن يستأذن القلوب الطيبة والألباب النيرة كي يقدم مسيرةً قرآنيةً في سعي نحو فهمٍ نقيٍ متكاملٍ، فهمٍ واضحٍ مسؤول نحو الأمانة التي نحملها ونحو تصورٍ طاهر لحياة الدنيا والآخرة وذلك من خلال قراءة وعي لكتاب الله الذي يتلو علينا مسيرة الخير والصلاح بكل عناوينها الرئيسة وبكل تفاصيلِ صراط الهداية المستقيم، قراءة وعي بكل صفاء وبكل شجاعة وبكل محبة وحرص، بعيدةً عن أي صخب أو شغب أو تشويشٍ بعيدةً عند أي ضغينة أو شحناء و بلسان صدق يستجلي عملية فهمنا لدين الله وفهمنا للإنسان وللتاريخ وللحاضر والمستقبل متوكلين على الله رب الناس .
يعمل هذا المنبر كي نستحضر مسيرة الأنبياء والصالحين، مسيرة أمة مباركة، مسيرة شخصية المؤمن المتوازنةِ التي تُبنى على أسس من الحضورِ الفاعل والإحساسِ الكريم، مسيرة شخصية تجمع بين الوعي والمسؤولية والسمو، لا يعتريها تشوه فيمنعها أن تعيش حياة التوازن في صدقها وفي فهمها وفي سلوكها، مسيرة شخصية لا تذهبُ مذاهبَ الظلمِ لنفسها ولا لمجتمعها، مسيرة شخصية جسّدها في تاريخ مضى النبيُ الكريمُ محمد وكلُ أنبياء الله سلامه عليهم، ومن سار على هديهم.
هذا المنبر لا يريد أن يتفاعل مع فئة محددة أو طبقة فكرية معينة أو حالةٍ معرفيةٍ بعينها، بل يسعى إلى التواصلِ مع كل القلوب المؤمنة لنتشاركَ تقديمَ دراساتٍ هدفُها أن نكونَ أمة واحدة لرب واحد بمسيرةٍ محمولةٍ على إرادة غايتها هدوء النفس وزكاتها ونضج الفكر وأصالته وخير الناس وسلامهم حتى نستلهم من ذلك سبيلاً طاهرةً نسيرُ عليها، متوكلين في ذلك على الله، ومستمدين منه العون والتيسير.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/6/16