تتنزّل الألفاظ القرآنية في منازلها من الفصاحة والبيان بناءً على أصالة جذرها اللساني المحكم، حيث لا تُستدعى المفردة في النظم الإلهي كونها مجرد مهمة خطابية مباشرة، بل لتؤدي وظيفةً مفهوميةً تؤسس لمنهج معرفي وعقدي وسلوكي متكامل، وفي هذا السياق تأتي دراستنا هذه لتسلط الضوء على مصطلح «الدين» كما قدّمه التنزيل الحكيم، في رحلة لاستكشاف دلالته البيانية، واستجلاء كيفية استثمار النص القرآني لهذه الدلالة في بناء المنظومة الإيمانية والحضارية.
عند تتبّع الصيغة الفعلية لكلمة (الدين)، نجدها ترتدّ إلى الفعل الماضي (دَانَ)، الممتدّ من جذر ثلاثي أصل بنيته الصرفية: (د - ي - ن).
وتشيرُ الدلالةُ اللسانيةُ التأسيسيةُ لهذا الجذرِ إلى: "حقٌّ للغيرِ يلتزمُ مَن تعهّدَ بأخذِهِ العملَ بمقتضى الوفاءِ به"، وتُمثّل هذه الدلالةُ النواةَ المفهوميةَ الصلبةَ التي لا تنفكّ عنها ولا تغادرُها أيّ صيغة اشتقاقية متفرّعة عن هذا الجذر، إذ تظل سمة التلازم لمفهوم الوفاء والالتزام والمسؤولية ساريةً في كل فروع الشجرة الاشتقاقية لهذا الجذر.
لقد وردَ هذا الجذرُ في محكمِ التنزيل متقلّباً بين الصيغتينِ الاسمية والفعلية، وعلى الرغم من تباين النظمِ الصرفيّ لهذه الصيغ وتنوّع مواقعِها الإعرابية، فإنها ظلّت وفيةً للدلالة الأصيلة للجذرِ، قبل أن تتوجهَ في سياقِها لتخدمَ الغرضَ الفكريَّ والتشريعيَّ الذي تُساقُ من أجله الآيات.
المسارات الدلالية لمفهوم «الدين» في النص القرآني
يمكن رصد التوظيف القرآني لجذر (د - ي - ن) عبر ثلاث مسارات رئيسة:
ــ المسار الاجتماعي والتشريعي (الدَّيْن المادي)
وظّف الخطاب القرآني الدلالة الأصيلة للجذر في تنظيم الروابط الاجتماعية وتقنين المعاملات البينية بين البشر، صوناً للحقوق وضبطاً لحركة الإنسان في مجتمعه، ويظهر ذلك جليّاً في آيات المعاملات والمواريث.
يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ...} سورة البقرة/ ٢٨٢
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ..} سورة النساء/ ١٢
يبرز لفظ (الدَّيْن) هنا بفتح الدال ليعبر عن مقتضيات الوفاء المالي والنظام الحقوقي المتبادل، مستثمراً القوة الإلزامية لدلالة الجذر في ضبط الاستقرار المجتمعي.
ـــ المسار الجزائي في الآخرة (يوم الدِّين)
ينتقل السياق القرآني باللفظ -عبر كسر الدال (الدِّين)- من أفق التعامل المادي المحدود بين العباد، إلى أفق الجزاء المطلق بين الخالق والمخلوق، حيث تتجلى صورة الحساب الختامي واستيفاء الحقوق والالتزامات.
يقول الله تعالى:
{مالك يوم الدين} سورة الفاتحة
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} سورة الشعراء/ ٨٢
{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} سورة ص/ ٧٨
{وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} سورة الصافات/ ٢٠
{وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} سورة المعارج/ ٢٦
{وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} سورة المدثر/ ٤٦
اقترن اللفظ هنا بـ (اليوم) ليصوّر مشهد القضاء الإلهي الأكبر، حيث تُفتح سجلات العهود، ويُجازى المرء على مقدار وفائه بالالتزام الإلهي أو نكثه له.
ـــ المسار المنهجي والاعتقادي (الدِّين كعلاقة تعاهد وجودية)
وهو الفضاء المعرفي الذي شغل مساحةً واسعة في الخطاب القرآني، حيث سُمّيت العلاقة الرابطة بين الإنسان وربّه "ديناً"، وهو اختيار لساني يتكئ على «عهد الفطرة» والميثاق الذي تطوّق به الإنسان.
يقول الله تعالى:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} سورة الشورى/ ١٣
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة الشورى/ ٢١
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} سورة البقرة/ ٢١٧
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} سورة الأنعام/ ١٥٩
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} سورة المائدة / 54
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} سورة المائدة/ ٣
ويجد هذا التكليف مستنده المرجعي الأعمق في لحظة الإشهاد الأزلية في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} سورة الأعراف: 172
وبناءً على هذا الإقرار الفطري، يغدو المؤمن مُلتزماً طواعيةً بتمثّل هذا الإيمان كمنهج حياة، في قيمه وتصوراته وسلوكه، ليقف غداً بين يدي «الدَّيّان» مُحاسَباً على صدق الوفاء بعهده.
وهنا لابد أن يطرح التحليل المعرفي تساؤلاً بليغاً: هل يقتصر مصطلح «الدِّين» في القرآن على علاقة التعاهد الإيمانية بين العبد والله حصراً، أم أنه يتسع ليعبر عن أي منظومة التزام بين الإنسان وأي سلطة مشرعة؟
تنبهنا الاستخدامات القرآنية إلى مرونة مفهومية حاسمة، إذ إن «الدين» كنظام إجرائي وسلوكي قد يُنسب إلى جهات وسلطات متعددة، كما يظهر في الآيات الآتية:
يقول الله تعالى:
{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} سورة يوسف/ ٧٦
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} سورة غافر/ ٢٦
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} سورة الكافرون
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} سورة آل عمران/ ٨٣
نلاحظ من خلال قراءتنا لهذه الآيات أن مفهوم الدِين يمكن أن يُنسب إلى جهات عدة:
في الآية الأولى القوانين والنظم والنواحي القضائية التي وضعها الملك ويحاسب عليها.
وفي الآية الثانية المنظومة الفكرية والتشريعية والسلوكية التي يفرضها النظام الفرعوني
وفي الآية الثالثة سلطة الوحي / سلطة الأعراف التي تستدعي مفاهيم الشرك، تقابل بين منهج قائم على التوحيد الموحى، ومناهج وضعية يلتزم بها المشركون
وفي الآية الرابعة السلطة الإلهية المطلقة، والمنظومة الكونية والشرعية الإلهية التي خضع لها الكون طوعاً وكرهاً.
استناداً إلى هذا الاستقراء، يمكن صياغة تعريف حديٍّ لمفهوم الدِّين.
الدِّين: هو مصفوفة متكاملة من المفاهيم، والشرائع، والنظم، والقوانين، يلتزم بها الإنسان التزاماً مطلقاً في مسيرة حياته، مدفوعاً بنزوعٍ داخلي يتأرجح بين الرغبة والرهبة تجاه السلطة المصدرية المشرِّعة، وبموجب هذا الالتزام، يتحول «الدين» إلى موجّه بنيوي لعقل الإنسان، ينسق نمط تفكيره، ويصقل انفعالاته الوجدانية، وينظم سلوكه الاجتماعي، ليكون بمقتضاه مسؤولاً ومساءلاً أمام ذاته وأمام السلطة المشرِّعة.
فصلُ الالتباسِ بين «المُنَزَّلِ الإلهيِّ» و«الموروث التاريخيِّ»
يضعنا هذا التأصيل من حيث المفهوم أمام مراجعة نقدية تتصل بواقع الأمة المعاصر:
هل يجوز معرفياً ومنهجياً إسباغ صفة «الدِّينِ الإلهيِّ المُلْزِمِ» على التراث الفقهي والكلامي - بما يحمله من تنوع واجتهادات بشرية غثها وسمينها، صحيحها وسقيمها، وبما اكتنفه من صراعات تاريخية وسياسية - ثم تطويق الأعناق به وكأنه وحيٌ معصوم؟
إن إضفاء التقديس على المنتج التراثي وتحويله بنزعاته المتقلبة واختلافاته التاريخية إلى سلطة تشريعية ملزمة لهو خروج عن جوهر المفهوم الذي أصله القرآن للدِّين، فالمركّب التراثي نتاج حراك بشري محكوم بظروفه التاريخية، بينما الدين الحق هو ما خلُصت نصوصه وصفت شرائعه من لدن حكيم خبير.
إن النص القرآني يهدي إلى «الدين القيم» بوصفه حبل النجاة ومحور الوحدة.
{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سورة يوسف/ ٤٠
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} سورة المائدة/ ٣
إن الفكاك من أسر التعددية التراثية المفرقة يقتضي العودة الحثيثة إلى فضاء «الإسلام» بمدلوله القرآني الشامل، المبرأ من التحزب والتمزق المذهبي، لاستعادة فاعلية الأمة وبناء أفقها الحضاري
يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} سورة آل عمران/ 19
ومن هنا، فإن البحث مستقبلاً سيتسع - بإذن الله وتوفيقه - لبيان كيف يسر الله هذا "الدين القيم" ليكون منهاجاً يعتصم به الصادقون لبناء أمة واحدة متماسكة لا اختلاف فيها ولا تفرّق.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ