تأصيل "البيان" في المفهوم القرآني
تتواجد في الفكر الإسلامي على العموم ــ قديمه وحديثه على حد سواء ــ رؤية ذات أبعاد كلامية ومعرفية، تتمثل في نزوع عديد من القراءات إلى إضفاء طابع "الاضطراب الدلالي" أو "الغموض البياني على الخطاب القرآني، وبمثل هذه الرؤية التي تقول بعجز المكَلَف عن الوصول إلى المقاصد الإلهية - بدعوى ضبابية التراكيب واشتباك الدلالات - فإن هذه الرؤية لا تقف عند حدود القصور المنهجي في التفاعل مع النص القرآني، بل تتجاوزه لتمسّ بالضرورة منطق الهداية نفسها وحقيقة البعد الايماني في الصفات الإلهية.
في دراستنا هذه سنعمل على تسليط الضوء على التناقض القائم بين مقولة "غموض النص" وبين الأصالة المعرفية الذي تؤسس لها سورة الرحمن، وصولاً إلى كشف التهافت الكلامي للهروب من التكليف البياني عبر استدعاء مفهوم "ظني الدلالة" الذي تُوصَف به آيات كتاب الله.
النسق البنائي في سورة الرحمن
تنهض المقدمات المفهومية لسورة الرحمن لتضع معياراً حاسماً لصلة الإنسان بالخطاب الإلهي، وعلاقته به كرسالة من خالق الإنسان، حيث يأتي الترتيب السياقي مفصحاً عن بنية معرفية محكمة:
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} سورة الرحمن
إن تصدير السورة باسم الذات {الرَّحْمَنُ} يجعل صفة "الرحمة الشاملة والفيّاضة" هي المظلة الوجودية التي تنبثق عنها أفعال التعليم والخلق، وفي هذا الترتيب البياني، يسبق تعليمُ القرآن خَلقَ الإنسان وجودياً ومفهومياً، ليكون وجود الإنسان مشروطاً باستقبال هذا الهدي، وليكون {الْبَيَان} هو الأداة الإدراكية والتعبيرية التي أُودِعت في الجبلّة البشرية لتقابل إفصاح التنزيل.
بناءً على هذا النسق، فإن "البيان" ليس مجرد مهارة لغوية مضافة، بل هو ضرورة تكوينية تضمن اتساق المستقبِل (الإنسان) مع النازل (القرآن)، ومن ثَمّ إن القول بعجز الإنسان عن الاستبانة، أو قصور العقل عن الوصول للهدى، فإن هذا القول ينقض الغاية من الاقتران القائم بين اسم الرحمن وفعل البيان.
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}
إن القبول بفرضية أن الخطاب القرآني خطابٌ يورث الحيرة ويُغرق المتلقي في تخبط دلالي، يوقع الفكر في محذور كلامي خطير، إذ يفضي مضمونه إلى تأصيل نفي أثر "الرحمة الإلهية" عن الرسالة، فإذا كان التكليف مناطاً بالهداية، وكانت الهداية ممتنعة لوجود الإبهام، فإن ذلك سيؤدي حتماً لإلصاق مفهوم "الإعطاء مع منع الهداية" إلى الباري - جلّ وعلا - وهو ما يتنافى مع أصول التنزيه الإيماني.
إن صفة الرحمة في أعلى فيضها {الرَّحْمَنُ} تقتضي تيسير أسباب الرشد، ولإن تجريد الخطاب من الوضوح البياني سيحوله إلى أرض تيه وسيفرغ مفهوم "الهدى" من محتواه، وسيجعل التكليف بلاغاً لا يُدرك، فإن ذلك سيكون خروجاً عن مقتضى الحكمة الإلهية.
تفكيك ذرائعية "الظنية" ومسوغات التفرق
تتخذ بعض الاتجاهات التأويلية من مقولة "ظنية الدلالة" تكئة لتأصيل التشرذم العقدي والفكري والطائفي والمذهبي، مستعيضة عن وحدة الأمة بـ "شرعنة الشتات"، وإننا حين نبتعد عن التحصيل المعرفي المراد في النص القرآني بادعاء استغلاق الدلالة والبيان، فإن كتاب الله ــ في هذا الطرح ــ سيتحول من منهج يدعو في أصوله للوحدة والتعاون والائتلاف وييسر ذلك في كل مساحات خطابه إلى أداة تؤجج الصراع وتستدعي صور الاختلاف والتشرذم.
إن هذه الحالة تقودنا لا محالة إلى "عدم تقدير الله حق قدره"، وهو المعنى الذي يتقاطع بنيوياً مع التحذير القرآني في سورة الأنعام:
{وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} سورة الأنعام/91
نحو تصحيح الرؤية المنهجية للتنزيل
حين يُفرّغ النص القرآني من صفائه البياني، ليصبح مسرحاً "للخوض واللعب" في المفاهيم، وحين تُتخذ الظنية ذريعةً لتأبيد الخلاف وتنصل المتلقي من مسؤولية الاستجابة لأمر الله، يُلزمنا ذلك أن نقوم بمراجعة نقدية للتصورات الكلامية التي تغذي فكرنا الديني، ومن ثم العمل على إعادة بناء رؤيتنا للخطاب القرآني استناداً إلى المحددات الآتية:
الأصل في الخطاب الوضوح في المراد:
إن النص القرآني قائم في أصله على البيان والهداية لا على التعمية والألغاز.
مركزية اسم "الرحمن":
فهم طبيعة النص القرآني يجب أن ينطلق من رؤية الله بصفات كماله، وفيض رحمته التي تقتضي إيصال المعنى للمكلف بوضوح.
المسؤولية المعرفية للمتلقي:
الخلاف والتفرق ليسا نتاجاً لقصور أو عجمة في بيان البلاغ الإلهي، بل هما حصيلة "الأهواء التأويلية" والقراءات غير الناضجة التي تتعامل مع النص بوصفه مساحة للخوض لا مصدراً للهداية.
إن إعادة الاعتبار لـ "بيانية القرآن" هي الخطوة الأولى لتصحيح الخلل المعرفي، وذلك للخروج من أزمة تسيّبِ الخوض واللعب في مفاهيم الهداية، والتي أضرت كثيراً بوعي فكرنا الديني، وساهمت على نحو كبير في شرذمة مجتمعاتنا.