الخلافة الراشدة(4)
العوامل الموضوعية التي دفعت دولة الخلافة لتبني عسكرة التمدد الجغرافي.
تستهدف هذه الدراسة تخليص الذاكرة التاريخية من اللبس والنظرات الاختزالية، من خلال تقديم فهم موضوعي يؤسس لوعي حضاري، يزاوج بين دراسة الماضي وبناء الحاضر والمستقبل.
قراءة في العوامل الموضوعية لحركة التمدد الجغرافي في صدر الإسلام
تتأطر حركة التمدد الجغرافي لدولة الخلافة الراشدة ضمن سياق تاريخي وجغرافي سياسي مركب يتجاوز القراءات الاختزالية التي تقصرها على أبعادها العسكرية المجردة، وإن تفكيك حركة التمدد يستلزم إعادة قراءة المفهوم في ضوء منطق نشوء الدول ونظريات العلاقات الدولية، وذلك لفهم المحركات الموضوعية الأصيلة التي فرضت على الدولة الإسلامية الناشئة الانخراط في المواجهات العسكرية، والتحقق مما إذا كان هذا التمدد يمثل توسعاً إمبراطورياً قهرياً أم فتحاً حضارياً واستجابة لحتميات الدفاع عن الكيان والسيادة.
حتمية المواجهة في ضوء التوازنات الإقليمية
لم تكن الدولة الإسلامية في مهدها بالمدينة المنورة بمعزل عن معادلات القوى السائدة في الإقليم، وكأي دولة حديثة العهد واجهتها تحديات خارجية، ومراد هذه التحديات إضعاف هذه الدولة أو إسقاطها، حيث اصطدم تطلعها نحو تأسيس كيان سياسي مستقل بإرادات الهيمنة لدى الإمبراطوريتين المتاخمتين: الساسانية والبيزنطية، وامتداداً لرفض هاتين القوتين الاعتراف بالنظام السياسي الجديد، عمدتا إلى تحريك أدوات الضغط وحشد الكيانات التابعة لإجهاض التجربة الوليدة.
ومن هذا المنطلق، تمثلت التحركات العسكرية الأولى— واقعة تبوك— في استراتيجية ردع استباقية غايتها حماية المجال الحيوي للدولة، وصون رعاياها، وتأمين حدودها من التهديدات الوشيكة، وقد ترتب على هذه المقاربة الدفاعية تفكك منظومة التحالفات التابعة للقوى الإقليمية، ودخول القبائل المتاخمة في معاهدات حماية وتضامن مع المركز الإسلامي.
التأسيس والمحددات القرآنية للعلاقات الدولية
إن الفلسفة الحاكمة للسياسة الخارجية في الإسلام قد أُسست على مبادئ السلم، وحسن الجوار، وتكافؤ العلاقات بعيداً عن أشكال البغي أو الاستعلاء الحضاري، إلا أن امتناع القوى المجاورة عن قبول مبدأ الندية والتعايش السلمي، ولجوءها إلى القوة لإخضاع الدولة الجديدة، حوّل الخيار العسكري إلى ضرورة سيادية تفرضها قوانين حماية الكيان الوطني والتزام الدولة الأخلاقي تجاه أمن مجتمعها.
وتتجسد هذه الرؤية في المرجعية القرآنية المحكمة التي تجعل القتال مقيداً بدفع العدوان دون بغي، كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} سورة البقرة :190
فالمبدأ الأصيل هو قصر المواجهة على القوى المحاربة بالفعل، وتأصيل قيم القسط والبر بالآخر المسالم، وفق الموجه القرآني: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الممتحنة: 8.
وهذا يؤكد أن تشريع القتال لم يصدر لإكراه المجتمعات، بل لرفع الحيف وحماية شروط الحرية والعدل، وسنتناول هذه الآيات على توسع حين نقرأ في سيرة النبي ﷺ.
تفكيك مقولة "الفتح": بين التحرير الحضاري والسيطرة الإمبراطورية
يطرح السؤال الجوهري نفسه حول طبيعة التمدد الراشدي: هل كان قهراً إمبراطورياً أم فتحاً تحررياً؟
إن الإجابة تتجلى عبر فحص البنية السياسية والاجتماعية للمجتمعات التي دخلتها جيوش الخلافة، فقد كانت تلك الشعوب ترزح تحت وطأة سلطات استبدادية مطلقة، أرهقتها بالجبايات وسلبتها حرياتها الفكرية والدينية، وعند انكسار التشكيلات العسكرية الفارسية والبيزنطية، واجهت دولة الخلافة مسؤولية أخلاقية وسياسية تتمثل في إدارة الفراغ ــ الذي أحدثه غياب السلطة الناظمة ــ، وذلك عبر تقديم نموذج إدارة مجتمعية، قائم على صون الكرامة الإنسانية، وحماية النفوس والأموال، وضمان حرية الاعتقاد.
لقد تجلى التمايز الجوهري بين "الفتح" و"الغزو" في سلوك السلطة الراشدة، حيث استعاضت عن مظاهر البذخ، والنهب الممنهج، والقهر العقدي— وهي سمات الغزاة عبر التاريخ — بنموذج قيادي زاهد، يُقيم العدل النافذ بين جميع الرعايا دون تمييز عرق أو دين، ولا شك أن هذا التحول البنيوي هو ما جعل شعوب المنطقة ترى في الفاتحين الجدد مخلصاً حضارياً ينهي عصر التمييز المذهبي والجباية التعسفية، وهو أيضاً ما أضفى على هذا التمدد مشروعيته الأخلاقية والحضارية، وجعله ينطبع بمفهوم "الفتح" المقترن بالانفتاح والتحرير، بدلاً من القهر والاستعباد.
إن قراءة الفتوحات الإسلامية في العهد الراشدي تتطلب تجاوز الأحكام المسقطة، واستحضار السياق الجغرافي والاجتماعي والسياسي والمنظومة القيمية المنشئة لهذه الحركة، بعيداً عن أي شطط أو اقتطاع أو مغالاة أو مقاضاة أو تجريم وذلك لصناعة رؤية واضحة ناضجة تمكننا من بناء حاضرنا ومستقبلنا على دراية ووعي قرآني أصيل.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/10