الخلافة الراشدة(6)
اغتيال الخليفة عثمان وبدايات التغيير:
اضطلع أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بمقاليد الخلافة زهاء اثنتي عشرة سنة، وتُجمع المصادر التاريخية على أن شطرها الأول أرسى حالة استثنائية من الاستقرار الاجتماعي والازدهار المعيشي عمّت أرجاء الدولة، ممّا بثّ في النفوس طمأنينةً وشعوراً بالرخاء، بيد أن السنوات الأخيرة شهدت إرهاصات خلل بنيوي، بدأ باضطراب اجتماعي وفكري سياسي، وانتهى بانكشافٍ أمني مأساوي جَسّده اغتيال الخليفة.
إن القراءة الناقدة للتاريخ، والتي تبتغي استخلاص العِبَر البصيرة، تقتضي التوقف المليّ عند هذا التحول التاريخي الحاد، وذلك لتفكيك أسبابه البنيوية، ورصد العوامل المجتمعية التي هيأت له، ودراسة حادثة الاغتيال بوصفها جريمةً مركبةً استهدفت الكيان الجمعي للأمة، وتحديد أبعادها وأدواتها، بعيداً عن المناهج السردية العقيمة التي تكتفي بالتوصيف الظاهري للأحداث.
ونستفتح هذا التحليل بما أورده الإمام البخاري في صحيحه (رقم: 650)، عن أم الدرداء أنها قالت: «دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً» (*).
يُمثل هذا الأثر تشخيصاً دقيقاً صيغَ برؤية أبي الدرداء -رضي الله عنه- للواقع الأخلاقي والاجتماعي والديني الذي آلت إليه الأمة بعد انقضاء عهد جيل التأسيس الأول، فقد انحسرت منظومة القيم والانضباط الفكري التي أرسى دعائمها الرعيل الأول، مما أورث في نفس أبي الدرداء استنكاراً لواقعٍ باتت فيه الشعيرة الظاهرة (الصلاة الجماعية) الرابط الأخير المتبقي من سمات ذلك العهد.
تحول التركيب المجتمعي وظهور الجيل الجديد
مع اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية في مطلع خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، كان المجتمع يتجه نحو مرحلة انتقالية تتصدرها أجيال جديدة، إذ بدأت كواكب جيل التأسيس تتغيب بحكم السنة الإلهية، إما بالوفاة، وإما بغلبة الكِبَر وتباعد المسافات الجغرافية، مما أضعف حضورهم الفاعل في ساحات صناعة الأحداث وإدارة الأزمات المتلاحقة، ومع تراجع تأثير هذه الثلة، ارتفعت أصوات التكتلات الجديدة التي أضحت الفاعل الأكبر في وجهة الأحداث.
لقد اتسم هذا الجيل الجديد بخصائص وافدة، فهو نسيجٌ غير متجانس من مكونات جغرافية مختلفة ومن طبائع نفسية متعددة ومن ألوان فكرية تتنافس الحضور، وكلها نشأت في ظروفٍ تختلف جذرياً عن تلك التي صاغت إيمان الرعيل الأول وتجربته، وهذا ما أفَقَدَ مجتمع تلك المرحلة الصلابة الفكرية والنفسية التي تمكّنه من احتواء الأزمات البنيوية وإدارتها بحكمة.
ويتجلى صدق هذا التحليل في المظاهر الاضطرابية التي طفت على السطح في أواخر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، حيث عجز البناء المجتمعي عن تشكيل جدار حماية يتصدى لتداعياتها، مما أدّى في النهاية إلى تلك الفاجعة، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].
الصراعات الثقافية وجريمة الاغتيال
إن انحسار المواجهات العسكرية الخارجية لم يعنِ انتهاء الصراع، بل تحوله إلى حروبٍ داخلية مستترة وأخرى جهاراً، صراعاتٍ بين المبادئ التي حملها جيل التأسيس وبين تطلعات وأطماع شعوبٍ وأفكارٍ وافدة.
لقد اتخذت هذه الصراعات أشكالاً لسانية وعرقية وثقافية، وجسدت صداماً بين التصور القرآني الأصيل وبين الرواسب الموروثة من البيئات البيزنطية والساسانية.
لقد وجد هذا الصراع أطرافاً غذّت أواره، فصار سجالاً بين هذا وذاك، وأصبحت ساحاته محط كل ذي غاية، يؤجج نارها كيف يريد ومتى يريد، مما أدخل الأمة في حالة من الشقاق، وهيّأ البيئة للتيارات الهدّامة لتوجيه ضربةٍ في عمق الاستقرار السياسي، تجسدت في جريمة اغتيال الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
إن هذه الجريمة لم تكن مستهدِفةً لشخص الخليفة فحسب، بل كانت ضربةً موجّهة لرمزية دولة الخلافة، وللمنظومة القيمية والنظامية التي قامت عليها الدولة النبوية.
إن جريمة الاغتيال لم تكن لتحدث لو كان المجتمع على عمومه بذات القوة والتعاضد والتآلف الذي كان يعيشه جيل التأسيس، وحينها سيكون من غير الممكن اختراق خطوط وثنايا دولة الخلافة.
تأنف هذه الدراسة من اختزال الكارثة في شخوصٍ بأعينهم، لأن ذلك يتنافى مع أمانة التحليل التاريخي، بل تسعى إلى إبراز التحول البنيوي في مفهوم المسؤولية لدى المجتمع اللاحق، لنخلص من ذلك إلى سنّة تاريخية مفادها: أن الأمم عندما تتخلى عن قيمها التأسيسية وتتقاعس عن مسؤولياتها الحضارية، فإنها تدفع ثمن ذلك اضطراباً وصراعاً، بينما يضمن الالتزام بالمسؤولية والاستقامة طريق العزة والتمكين، كما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].
أتمنى أن يخلص القارئ الكريم في نهاية هذه السطور إلى ذات الموعظة التي تتلوها علينا الآية السابقة لنكون على قلب واحد وإحساس واحد.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/24
...................................................................................
(*) أبو الدرداء: عُويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل من أعيان جيل التأسيس، أسلم يوم بدر، توفي في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما.