الخلافة الراشدة (7)
انكسار المنظومة وسقوط الوعي السياسي: قراءة في التحولات الاجتماعية والانشقاقات الكبرى في عهد الخليفة الراشدي الرابع
واقعة الجمل: انكسار المنظومة وتجليات التحول القيمـي
شَكَّل اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان نقطة تحول جارفة زلزلت أركان مجتمع الخلافة، وغرست بذور الشك والاضطراب في البنية الاجتماعية، لتتخلق منها حالة من الفوضى الضبابية. وفي وسط هذه الأجواء العاصفة، تولى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب مقاليد الإدارة، ليجد نفسه أمام واقع مجتمعي مأزوم، أرضه مهتزة في قيمها، تهاوت فيه ثوابت الاتزان، واستُدرجت فيه عواطف جيل يعاني الفراغ المنهجي إلى مستنقعات الشقاق عبر ألسنة الفتنة والاستقطاب، فكانت موقعة الجمل التجلي الأول لهذا الانكسار
لم تكن الدماء التي أُريقت في موقعة الجمل إلا ثمرة لابد منها لبيئة مضطربة حركتها خيوط الفساد، ولم تعد تنفع معها نداءات الناصحين ولا صرخات العقلاء، لتتجلى العبرة القرآنية في تأنيب تلك الحالة: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]
إن اختزال الأزمة في تجريم شخوص بأعينهم يمثل قراءة قاصرة تتغافل عن سنن التحول النفسي والسلوكي الشامل. فقراءة التاريخ ليست ساحة لمحاكمة الماضي، بل هي مادة للاعتبار كما قرر التنزيل الحكيم: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]
إن في التاريخ صفحات ضبابية لا تمكِّن الباحث المؤتمن من رؤية تفاصيلها، ولعل الصفحات التي تؤرخ لموقعة الجمل أشدها التباساً، ما يجعل الدارس لتفاصيل أحداثها يغرق في ظلمات عتمتها، لذلك تقتضي المسؤولية التاريخية الابتعاد عن السرديات التي لا تغني، واستيعاب الدروس واستحضار قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53]
واقعة صفين: الشرخ البنيوي وتكريس الانقسام
ولم يلبث المجتمَع أن استفقَد اتزانه حتى واجه تحدياً آخر أكثر إيلاماً وأشد مرارة في الوجدان الإسلامي، قصة ثانية تجرّع سمها الخليفة علي بن أبي طالب، فشطرت قلبه حزناً على سيرة راشدة تطوى آخر صفحاتها التي صُبغت بالدماء التي سالت على أرض "صِفِّين
إن واقعة صفين كانت كارثة تاريخية، ليس فقط لخروجها عن جو المدينة المشحون بالهدى، بل لأنها كانت تتويجاً لمسار تحول متدرج بدأ منذ النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان. وفي هذا المعنى يقول الأستاذ مالك بن نبي
«ولا عجب، فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذة. ونحن نجد مثلها في الكارثة التي أصابت العالم الاسلامي في واقعة صفين فأخرجته من جو المدينة الذي كان مشحونا بهدى الروح، وبواعث التقدم».
كانت واقعة صفين انتكاسة أربكت الجميع، وأدخلتهم في أرض تيه، لأنها هزت أركان مفهوم الدولة التي أصل لها النبي الكريم، وكرست حالة الشرخ في موقع الاستقطاب السياسي عبر
ــ تفتيت السلطة المركزية: وتأسيس حالة الانفصال السياسي والأمني
ــ شرعنة النزاع تحت مظلة الاجتهاد: لتبرير الخروج على السلطة الشرعية وسفك الدماء، مما فتح الباب للتشرذم والتمذهب الفكري
إذا كان الانشقاق عن مركز الخلافة والتموضع سياسياً وأمنياً بعيداً عن سلطة الخليفة الراشدي الرابع مبرراً تحت شعار الاجتهاد، وإذا كانت الدماء تُسفك تحت الذريعة ذاتها، فلا حرج إذاً من أن تظهر مواقف فكرية وهجمات ثقافية تفترس مفاهيم كتاب الله وتزيفها، لتقود المجتمع إلى أقصى صور التنازع بذرائعية الاجتهاد
مفترق الطرق في صِفِّين وولادة الفكر الخارجي
أفضت وقعة "صِفِّين" إلى لحظة فارقة في مسار الصراع بين الخليفة المعين الراشدي الرابع علي بن أبي طالب ومعسكر معاوية، إذ لمّا استشعر معاوية دُنُوّ الانكسار، لجأ إلى رفع المصاحف داعياً إلى تحكيم كتاب الله، في مناورةٍ تُؤخّر هزيمته وتُربك خصمه. أحدث هذا الموقف انقساماً فكرياً ونفسياً في جبهة الخليفة بين فريقين: فريقٍ رأى القَبول استجابةً للداعي الإلهي، وهم إنما يقاتلون لإعلاء كلمته، وفريقٍ فطن إلى أن الدعوة ليست إلا خدعة حربٍ أملتها موازين القوة المتهاوية لدى الخصم.
ولادة الفكر الخارجي وشعار «لا حُكْمَ إلا لله»
ومع نزول الخليفة عند خيار التحكيم استجابةً لضغوط الجند ومقتضيات الواقع المأزوم، نَفَرَت ثلةٌ من جيشه رافضةً هذا المسار، ورأت فيه ارتياباً في مشروعية الغاية والوسيلة ومساساً بحكم الله الجليّ. صيغ هذا الاعتراض في المقولة الشهيرة: «لا حُكْمَ إلا لله»، والتي تحولت سريعاً من شعارٍ إلى عقيدة صلبة.
ولم يكتَفِ هذا الفريق بالاعتراض الفكري، بل حاول إكراه الخليفة على الإقرار بالضلال والشهادة على نفسه بالكفر لقَبوله التحكيم، واشترط نقض العهد المبرم مع معاوية للعودة إلى صفه. فلما استمسك الخليفة بالحق ورفض الانصياع لهذا الشطط، اعتزلت هذه الجماعة وأشاعت الخروج، واتخذت من أطراف الكوفة مستقراً لها، لتُعرف تاريخياً بـ "الخوارج".
وحدة الجوهر بين معسكري الانشقاق وتداعي الأركان
إن الموقف الفكري لمن سُمّوا بالخوارج ينطلق في جوهره من رأيٍ بشريّ قاصر، أُسبغت عليه هالةٌ من الشرعية والدين، وغاية ذلك إضفاء القوة والمشروعية على موقفهم والتطاول به على المخالفين.
ولدى تجريد المقارنة المنهجية بين مسلك الخوارج ومسلك معاوية وفريقه، لا يجد الباحث الأمين فارقاً جوهرياً في النتيجة، فكلا الفريقين حمَل اجتهاده السياسي على حجةٍ دينية ليظهر بمظهر الاقتدار، وكلاهما قاده ذاك الاجتهاد إلى الانفصال عن مركز الخلافة الشرعية الذي كان يمثله علي بن أبي طالب، فتسببا معاً في تمزيق مفهوم الدولة وتفتيت بنيتها.
لقد تلقت منظومة دولة الخلافة أعتى ضرباتها من هذين القطبين، إذ شكّل انشقاقُ معسكر معاوية ابتداءً البيئةَ الخصبة والمشجعة لظاهرة الانشقاق التي سلكها الخوارج لاحقاً. ولو أُتيح للخوارج من أدوات القوة والمنعة ما أُتيح لمعسكر معاوية، لفرضوا سلطانهم بالغلبة والسيف، ولصاغوا مشروعيتهم بالمنطق نفسه، ولسارت في ركابهم ألسنةُ الخطباء تُسوّغ موقفهم وتحتجّ له بألف جواب وجواب.
حصاد الفشل القيمي والتردي السياسي
لقد تنبه التأريخ الإسلامي لخطورة هذا المنزلق، ورغم أن الرؤية المسطورة بين صفحاته لم تكن دائماً بقوة كافية لتوجيه نقدٍ حاد وفعّال، إلا أن المؤرخين والباحثين أجمعوا على حصر صفة "الرشاد" في حقبة الخلفاء الأربعة، وهو حُكمٌ منصف يقر بجسامة الانحراف والشرخ البنيوي الذي أعقب تلك المرحلة.
إن غياب روح الهداية، وافتقاد الوعي الحصيف بمتطلبات حماية الدولة وركائز استقرارها، أفضى بتلك المرحلة إلى ارتكاسٍ قيمِيّ وسياسي وأمني شامل، وكانت الثمار المرة لهذا التردي متسلسلة في حلقاتها:
ــ اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان.
ــ اندلاع فتنتي الجمل وصفين وانكسار المنظومة الجامعة.
ــ تعميق جراح الأمة بالانشقاق وتجذيره على يد الخوارج.
ــ التتويج المأساوي لهذا الانهيار الفكري والسياسي باغتيال الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب.
الرؤية المنهجية: تفكيك الظاهرة لا تقفي الشخوص
إن الغاية الأصيلة من قراءة هذا المسار التاريخي العصيب، لا تكمن في تقفي الأسماء أو تسليط الضوء على الشخوص — سواء كانت لأفئدةٍ أسرها الغي والتدبير، أم لنفوسٍ أورثها الجهلُ والسذاجةُ عمى البصيرة فصارت أدواتٍ لأصحاب المآرب — ذلك أن النماذج البشرية تتكرر عبر الاستحقاقات التاريخية، وتتخذ المواقف والذرائع ذاتها.
بل إن العبرة المنهجية تتجلى في تفكيك هذه المواقف والظواهر، امتلاكاً لبصيرةٍ نقدية ووعيٍ تاريخي يُميّزان بين الشعار والحقيقة، وبين الحجة الواهية والدليل الدامغ، فإن الشعارات تُوجّه السلوك، والحجج ترسم المسارات، وشتان بين مسارٍ يهدي إلى الحق ورأب الصدع ووحدة الأمة، ومسارٍ يقود إلى الغواية والنزاع والتشتت.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ