الرسم القرآني
دراسة رقم (1)
الرسم القرآني بين المعايير الإملائية والتوقيف الإلهي
تكتسب القضايا المتصلة بالنص القرآني محورية استثنائية في الوعي الإسلامي، وذلك نظراً إلى كون القرآن المصدر الأساس للمرجعية العقدية والتشريعية والأخلاقية لدى الأمة، ومن ثَمَّ فإن أي لبس مفهومي أو غموض تاريخي يكتنف تدوين هذا النص – وفي مقدمة ذلك ما يُعرف اصطلاحاً بـ "الرسم العثماني" – فإنه لن يقف عند حدود البحث الفني المجرد للنص، بل يمتد ليلقي بظلاله على مسألة الحجية والمصداقية التاريخية للنص نفسه.
تتأسس هذه الدراسة على محاولة جادة لتفكيك حالة الضبابية في المفاهيم المحيطة بالرسم القرآني، وتقصّي العوامل التاريخية والتراثية التي أسهمت في تشكيلها، مع بيان أثر تلك التصورات على الوعي الإيماني والفكر الإسلامي المعاصر.
يعتمد منهج هذه الدراسة على تكامل ثلاثة أصول رئيسة:
النظر الموضوعي: القائم على الاستدلال المنطقي والتحليل النظري.
النقل التوثيقي: المتمثل في الشواهد النصية والمرويات.
الاستقراء اللساني: القائم على قوانين الصرف والخط وبناء المفردة.
كل ذلك يستهدف صياغة رؤية نقدية تُزيل شوائب اللبس، وتدفع الشبهات الشائكة التي يسعى البعض من خلالها إلى نفي الصفة المرجعية المطلقة عن النص القرآني، عبر محاولات اختزاله في منتج بشري يتطرق إليه الخلل أو الاعتلال الإملائي.
الفرضيات التفسيرية لظاهرة الرسم القرآني
تجاذب الفكر الإنساني والديني الرؤى في تفسير الظاهرة الكتابية للرسم القرآني فقدم لساحة النقاش ثلاث فرضيات:
الفرضية الأولى: الفرضية البشرية (الاطروحة الاستشراقية)
تذهب هذه الفرضية – التي يتبناها طائفة من المستشرقين في مقدمتهم ثيودور نولدكه (تاريخ القرآن) وكارل بروكلمان (تاريخ الأدب العربي)، وتابعهم في ذلك بعض الطاعنين – إلى أن الرسم القرآني إنما هو نتاج جهد بشري يعتريه ما يعتري العمل البشري من القصور، وتفترض هذه المقاربة أنه عقب وفاة النبي ﷺ، أشرفت لجنة من الصحابة على جمع القرآن وتدوينه، فنجم عن ذلك ظواهر رسمية تُخالف القواعد الإملائية أو النحوية المستقرة لاحقاً، فأرجع أصحاب هذا الطرح تلك الفروق إلى أخطاء كتابية وقع فيها كتبة الوحي لضعف درايتهم بمهارات الخط والإملاء.
الفرضية الثانية: المواضعة العرفية والكتابة المثلى (الفرضية اللسانية)
ترى هذه الفرضية أن المصاحف كُتبت بأيدي الصحابة وفق قواعد وأعراف في الخط كانت سائدة ومستقرة في البيئة الحجازية (مكة ويثرب)، وبناءً عليه، فإن كل رسم خالف المعايير الإملائية المحدثة لا يُعد خروجاً أو خطأً، وإنما هو جَريٌ على قوانين السنن الكتابية والتقاليد الخطية للبيئة التي نزل فيها الوحي.
الفرضية الثالثة: التوقيف الإلهي المنضبط (الفرضية التوقيفية)
تقرر هذه الفرضية أن الرسم القرآني أمر توقيفي صادر عن إملاء إلهي وتوجيه نبوي مباشر، لم يكن للصحابة فيه أدنى اجتهاد إملاءً أو تشكيلاً، بل التزموا النقل الحرفي الدقيق للصورة التي خُطت بها المصاحف بين يدي الرسول ﷺ.
وفي هذا المعنى يقول ابن درستويه (1) في كتاب (الكتّاب):
«ووجدنا كتاب الله -جلّ ذكره- لا يُقاس هجاؤه ولا يُخالف خطه، ولكن يُلقى بالقبول على ما أُودِعَ المصحف».
الأفق التاريخي لتدوين النصوص السماوية
تقتضي الدراسة المنهجية للظاهرة الكتابية للقرآن العودة إلى الأفق التاريخي لتدوين النصوص الدينية، وبالنظر إلى مدونات التوراة والإنجيل، يُلاحظ أن غياب النسخ المكتوبة الأصيلة والمزامنة لزمن التنزيل، والاستعاضة عنها بمصنفات بشرية متأخرة زمنياً، قد جردا تلك النصوص من قوتها الإسنادية مما جعلها عُرضة للنقد التاريخي والتشكيك المنهجي، وهو المعنى الذي يسلط القرآن الكريم الضوء عليه في قوله تعالى:
{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} آل عمران: 93
إن هذا السلوك التاريخي الذي غيب النصوص الدينية الأصيلة عن ساحة الواقع الإنساني واستبدلها بنصوص أخرى هي من صناعة البشر قد ألغى السمة العظيمة للنصوص الدينية كونها مرجعيات غيبية حاكمة ليحل مكانها وثائق تاريخية خاضعة للمساءلة، ومن هنا تبرز الخطورة فغض الطرف عن فهم الرسم القرآني وفق أصول محكمة يفتح ثغرة ينفذ منها التشكيك لنفي الحجية عن كتاب الله، عبر ادعاء افتقاره للضبط في مرحلة التدوين الأولى.
بداية يكشف الاستقراء النصي أن فعل "الكتابة" و"الرسم" كان حاضراً ومستقراً في التقليد الرسالي، حيث يورد النص القرآني مفاهيم مثل: (الصحف، الألواح، النسخ، الكتابة) بوصفها أدوات توثيق وتثبيت للوحي الإلهي.
{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ﴿٣٦﴾ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ} النجم: 36-37
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الأعراف: 145
{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ}
الأعراف: 154
تؤكد هذه النصوص ببيانها أن التدوين بالخط والرسم لم يكن طارئاً بدائياً في الثقافة القرآنية، بل امتداداً لسنة إلهية استقرت في تاريخ الرسالات.
وأمّا في البيئة العربية فإن القول بأمية مجتمعية شاملة تنفي المعرفة بالكتابة إبان البعثة النبوية، إنما يُعد طعناً في المنهجية التاريخية، فقد وردت مادة (ك-ت-ب) واشتقاقاتها في النص القرآني في نحو 319 موضعاً (اسماً وفعلاً وصيغاً مختلفة كـ: كاتب، كتاب، كتابي، اكتتب، كاتَبَ).
ومما يرسخ هذه الحقيقة قوله تعالى في أطول آية في المصحف:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} سورة البقرة
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} سورة الأعراف
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} سورة البقرة
إنه لا يستقيم منهجياً أن يُخاطَب مجتمع بهذا الكمّ من المفاهيم والألفاظ لأدوات الكتابة ودواعيها دون أن تكون لديه دراية عملية بالتدوين، ويشهد لذلك التوجيه النبوي الذي روي عن رسول الله ﷺ في أمر الكتابة:
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تكتُبوا عنِّي إلا القُرآن، فمَن كتَب عنِّي شيئًا فَلْيَمْحُه»
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان /المحدث: شعيب أرناؤوط /الراوي: أبو سعيد الخدري
وفي هذا السياق يقول الدكتور غانم قدوري الحمد (2) ــ في كتابه رسم المصحف دراسة تاريخية لغوية ــ معلقاً على ظاهرة القراءة والكتابة في مجتمع ما قبل بعثة النبي: [ لكن نفي معرفة العرب للكتابة قبل الإسلام إلى حد الندرة إخلال بالمنهج السديد و رد للروايات و الشواهد التي تؤكد أنه قد كان للكتابة العربية شأن قبل الإسلام سواء في قلب الجزيرة أم في أطرافها، فلم تعد معرفة عرب الجاهلية للكتابة موطن شك وجاء في القرآن الكريم ما يفيد معرفة عرب الجاهلية القريبة من الإسلام القراءة و الكتابة فقد تكررت في كثير من الآيات مادة (كتب ) وما في معناها واسم آلات الكتابة ولا تعقل مخاطبة القرآن الكريم قوماً بهذه الآيات لو لم يكونوا على علم و بصيرة بالقراءة و الكتابة، و القرآن الكريم أصدق وثيقة تحدثنا عن حياة العرب في ذلك العهد].
أتابع بإذن الله في الدراسة التالية بحثنا في قضية الرسم القرآني من خلال قراءة موضوعية للمرويات التي حدثتنا عن مشاريع كتابة القرآن.
...............................................................................................................................
(1) ابن درستويه (ت 347هـ) عبد الله بن جعفر الفارسي نحوي ولغوي ومحدث له تصانيف في النحو واللغة
(2) غانم قدوري الحمد: كاتب وباحث في علوم القرآن ومحقق كتب من مواليد العراق 1950م حاصل على شهادة الدكتوراه قسم اللغة العربية من جامعة بغداد