تتأرجح العلاقة الإنسانية مع التاريخ بين طرفي نقيض: بين أسرٍ يستحضر الماضي ليرتهن لإسقاطاته وصراعاته، وبين قطيعة معرفية تتجاهل تراكم التجربة الإنسانية وتلغي القيمة الاعتبارية للزمن، وأمام هذا الشقاق الفكري، يقدم النص القرآني رؤية معرفية متكاملة، لا تتخذ من التاريخ ساحة للسجال أو مجرد مدونة للأحداث، بل تحوّله إلى "مختبر سنني" يستقرئ منه الإنسان قوانين التدافع الحضاري ومسارات الفلاح والسقوط.
تتحدد الرؤية القرآنية للتعاطي مع التاريخ من خلال ثنائية منهجية تجمع بين استقلال المسؤولية الأخلاقية وثبات السنن الحضارية:
أولاً ــ قانون "المسؤولية الأخلاقية المستقلة"
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة البقرة/134
تؤسس هذه الآية الكريمة لمبدأ التحرر من العُقد التاريخية، فالتاريخ الذي مضى هو مسيرة من سبق، بكل شخوصه وسلوكه، صالحه وطالحه، أولئك من تحملوا تبعاته الأخلاقية والوجودية، وعاشوا مسؤولياتهم فيما صنعوا وراهنوا على خياراتهم، أمّا أنتم يا من تعيشون هذه اللحظات فلكم حاضركم المتمثّل في أعمالكم فحدّدوا خطواتكم من خلال وعيكم لسِيَر الذين سبقوا، ولا تغرقوا في ذلك الماضي ولا تتيهوا في تلك الشخوص فتغيب عنكم الموعظة، فالاستغراق في محاكمة الماضي، أو نبش أحقاده، أو إسقاط أوزاره على الحاضر، ليس إلا هدراً للطاقة الحضارية.
أنتم لستم مسؤولين عن حركة مسيرتهم في كل مراحل فشلها أو نجاحها، فلا توجهوا جهودكم لتحفروا في سلبيات التاريخ لتنسجوا من ذلك سواداً يغلف القلوب، فالمؤمن لا يحاكم الماضي ليستغرق فيه، فينشغل بأحداثه ويغيب عن حاضره.
إن المنهجية القرآنية تقتضي هنا نقل بؤرة التركيز من "الارتهان للماضي" إلى "صناعة الحاضر"، بحيث يُقرأ التاريخ بعين الفاحص المعتبر، لا بعين القاضي المستغرق في تحيزاته، وذلك لتتحول التجربة التاريخية إلى طاقة وعي تُستثمر في تقويم مسيرتنا التي نعيشها.
ثانياً ــ قانون "ثبات السنن الحضارية"
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة النساء/26
يُنعم الله من فضله على عباده المؤمنين رحمة ورعاية من خلال بيان السبل التي تمكنهم من ممارسة مسؤولياتهم على أحسن حال، ومن هذه السبل توجيههم لامتلاك تلك الرؤية العميقة لحركة الذين مضوا فيما عاشوه من أحداث، وما واجهوه من تحديات وما بلغوه من نتائج، فتكون المسيرة ماثلة أمامهم، وبذلك تتنزل هذه الآية في مقام البيان الإلهي لتكشف عن الثبات السنني في حركة المجتمعات الإنسانية، فالله عز وجل لا يورد خبر الأوائل لصناعة سرديات قصصية وكفى، وإنما ليكون دليلاً إرشادياً يكشف عن القوانين الناظمة (السنن) التي تحكم العز والذل، والنهوض والافول.
إن امتلاك هذا الوعي السنني يمنح الأمة قدرة على الاستبصار الرشيد، فنستقرئ من تجارب الأمم السالفة كوامن القوة لننضبط بها، وأسباب الفشل لنتجنبها، وبهذا نجنب التاريخ أن يكون مجرد ذكريات غابرة، بل نحوله إلى "عقل فاعل" نوجه به حاضرنا ليكون صناعة إرادتنا ونتاج مسؤولياتنا.
جدلية "العبرة" و"النقمة" في القراءة التاريخية
يتوقف الأثر الوظيفي للتاريخ على الزاوية المنهجية التي يُطَل منها عليه:
وعلى ذلك يكون التاريخ "عِبرَة" (فاعلية وبناء): حين تصبح مسيرة رجاله وسيلة لاستكشاف عوامل التمكين الحضاري، وكيف تحولت الأمة من الشتات والضعف إلى وحدة القوة وشهادة الحضارة، وكيف أثرت الممارسة الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية في بناء العمران الإنساني وفي الارتقاء الحضاري.
ويكون التاريخ "نِقْمَة" (انكفاء وتدمير): حين يُحوّل التاريخ إلى خزان للأحقاد ومستودع للضغائن، نستمد منه شحنات التأزيم الإنساني والديني والطائفي والسياسي، نزرع بها بذور القلق والشك والاضطراب، لتبث فينا سموم العداوة والبغضاء، التي تحرضنا حتى نكون أمة متنازعة متفرقة فاشلة، وبذلك يغدو الماضي عائقاً يمنع الأمة من النهوض، ويدفعها نحو الانكسار والتخلف.
الضوابط المنهجية للقراءة التاريخية في المنظور القرآني
يضع المنظور القرآني خمسة ضوابط منهجية رئيسة لضمان سلامة الاستدلال التاريخي وحمايته من التوظيف المضلل:
1ــ أولوية المقاصد والغايات على التفاصيل الظنية
يركز القرآن الكريم على الأبعاد الكلية والعبر الشاملة، معرضاً عن التفاصيل الجزئية التي لا يترتب عليها حكم تربوي أو حضاري، خاصة تلك التي تعتريها التلفيقات التاريخية.
2 ــ التسامي عن "الشخصنة" وعن المواقف الحدية
لا يهدف النص القرآني إلى التجميد الزمني للحدث عبر محاكمات فردية تقوم على التمجيد المطلق أو التجريم المطلق، ولا يقيد الأفكار والمعاني بأسماء لا تخرج عن زمانها، حيث يصبح التاريخ حينئذ شخوصاً وقصصاً تروى وحسب، فكتاب الله لم يهتم بكثير من التفاصيل حين كان يقص علينا أخبار من سبق، لا بأسمائهم ولا بزمن حدوث القصة، ومراد ذلك أن هذه القصة أو تلك ربما تتكرر في زمن آخر وبأسماء لآخرين تختلف أو تتفق، لذلك هو يتعامل مع الأحداث كونها "ظواهر سننية" تتجاوز الأشخاص والزمان، ليتيسر تطبيقها في سياقات أخر.
3 ــ " رمزية الشخصيات"
حين يستحضر القرآن أسماء بعينها، فإنه لا يستحضرها لذواتها مجردة، بل كونها أنماطاً تحمل بعداً نفسياً وسلوكياً، فإما أن تمثل نموذجاً للقيادة العادلة والصلاح المقتدى به، أو تمثل نمطاً للطغيان والفساد المعرفي والاجتماعي والسياسي الواجب مفارقته.
4 ــ التحليل البنيوي للوقائع وفهم حالة المشابكة بين أبعادها
تتطلب القراءة الرصينة فهماً متكاملاً للبيئة التاريخية، إذ لا يمكن فصل الحالة الأخلاقية والفكرية لأمة ما عن واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فالتاريخ حركة متفاعلة تؤثر فيها بنية السلطة والمجتمع تأثيراً تبادلياً مستمراً.
5 ــ التفكيك الذهني والنفسي للأزمات الفكرية
إن كثيراً من الصراعات الكبرى والتأزمات الفكرية والسياسية التي شهدها التاريخ تعود في أصلها إلى دوافع وصدمات نفسية (كأنانية التملك، أو شهوة السلطة، أو الخوف)، وذلك قبل أن تُلبَس – لاحقًا – لبوس المنطق، والأفكار، والمذاهب العقدية والأصولية لتبرير تلك التأزمات وإسباغ المشروعية عليها.
إن أي منهج علمي رصين لكتابة التاريخ وفهمه يتوجب عليه الالتزام بالمقاصد العامة والقوانين الكلية للحركة الإنسانية، مع الترفع عن الخوض في الجزئيات العرضية والحوادث الفردية التي طالما كانت عرضة للتضخيم، والتزوير، والتوظيف العقدي، ومتى حاول دارس التاريخ أن يُقحم دراساته في ذلك فإنه سينزلق إلى فخاخ لا حصر لها، فالسير وفق ضوابط النقد الحضاري، وتجريد الدراسة التاريخية من نزعات التعصب والشخصنة، هو السبيل الوحيد للانتقال بالتاريخ من "ساحة للصراع" إلى "منارة للاستبصار".
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ