بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
إن قضية المصطلحات هي من أدق المباحث المعرفية في الفكر الإنساني، وربما أخطرها، وذلك لأن المصطلح ليس مجرد كلمة من حروف، بل هو وعاء يحمل فكرة وتصوراً محاطاً بالدلالات التاريخية والسياقات الثقافية، وعندما يختلف الناس في فهم المصطلحات، فإن جوهر النزاع لا يكمن في اللفظ ومبانيه، وإنما في المضامين الذهنية والأطر الفكرية الكامنة وراء تلك الحروف.
المصطلح ومستوياته الدلالية
المصطلح هو اتفاق عُرفي بين جماعة علمية أو ثقافة معينة، يقضي بنقل اللفظ من فضائه اللساني العام إلى دلالة خاصة محددة ومقيدة، وحين ينزاح المصطلح عن بيئته الحاضنة ومضمونه الأصيل لِيُقحم في فضاءات تداولية غريبة عنه، أو حين يطرأ عليه تحول دلالي عبر صيرورة الزمن، ينشأ ما يُعرف بـ "الاشتباك المفاهيمي"، ومما يذكي أوار هذا الاشتباك، تلك الحمولات الثقافية والعقدية والبيئية التي يسقطها كل جيل أو تيار على المصطلح، ليقرأه من خلال مرآة مرجعياته الخاصة، ولكي نزيل هذا الالتباس المعرفي، لا بد من التمييز الحاسم بين ثلاثة مستويات دلالية يتداخل فيها اللفظ الواحد:
المستوى اللساني الأصيل: وهو المعنى المعجمي البكر الذي تدل عليه أصول الكلام في مراجعها البيانية.
المستوى العُرفي العام: وهو المعنى الذي تواطأ عليه الناس في تداولاتهم الاجتماعية واليومية في فترة تاريخية ما.
المستوى الاصطلاحي التخصصي: وهو المعنى الذي ارتضاه أهل صنعة علمية أو حقل معرفي محدد ليكون دالاً على حقيقة يتعارفون عليها بعينها.
لقد قيل: لا مشاحة (جدال وخصومة) في الاصطلاح شريطة الاتفاق على الدلالة قبل البدء في الحوار، وإن هذا التعارف المسبق هو الخطوة التأسيسية لكل وعي سليم وحوار مثمر، وعلى الطرف الآخر، فإن الاضطراب في فقه المصطلحات يفضي إلى نتائج عقيمة، ويثمر نزاعات وهمية، ويسهم في صناعة صورة مشوهة ومضللة لكل طرف عند الآخر، ومن ثم سيوظف هذا الاضطراب في تمرير أغراض مذهبية أو منافع شخصية، وسيؤدي في نهاية المطاف إلى شرخ ثقافي وقطيعة معرفية بين الأفراد، والجماعات، والأجيال.
تأسيساً على ما سبق، سأعمد إلى قراءة عدد من المصطلحات الفكرية التي شغلت الحيز الأكبر في الساحة الفكرية المعاصرة، وفق أطرِ دلالاتها الحقيقية التي تغني عملية الفهم الذي نحتاجه لهدم كثير من العوائق التي كان لها دور مؤثر في تفرق عالمنا الإسلامي، وسأبدأ بعون الله بمصطلح "التراث".
إن كلمة التراث في البنية الصرفية هي: صيغة أصلها "الوِراث"، مشتقة من المادة اللسانية (و ر ث)، والتي تعني رد الأشياء المادية أو المعنوية إلى جهة ما، وقد أُبدلت الواو تاءً لعلة التخفيف اللفظي.
في الدلالة البيانية: تشير الكلمة إلى كل ما يتركه من ذهب ومضى أمره من متاع، ليتلقفه من يأتي بعده.
في التداول الاصطلاحي: تعارف الفكر المعاصر على أن التراث هو: كل ما خلّفته الأجيال السالفة للأجيال اللاحقة من معارف، وقيم، وعادات، وتقاليد، وفنون، وآداب تعكس الوجدان الجمعي والارتباط الروحي للمجتمع، وما كان من سير رجال غُرست من خلالها قيم الشهامة والكرامة، أو خلاف ذلك، وما كان من طقوس عادات تصور ذلك التاريخ الذي ارتبط مع الزمن بمراسم وطقوس تحييها أيام يتداولها الناس كل حسب خطه.
إن التراث ليس مجرد ركام تاريخي أو أطلال بالية، بل هو الجسر الحيوي الذي يصل ماضي الأمة بحاضرها، وهو الهوية المستمرة المحددة لوجدان المجتمع وموجه سلوكه، منه يستقي الإنسان شعور الانتماء والامتداد التاريخي، بما يمثله من مصدر ملهم للتجدد، يعزز عُرى الألفة بين أفراد المجتمع عبر قيمهم المشتركة، فأمة لا تنتمي لتاريخها انتماء وعي ومسؤولية، لا تملك المقومات الذاتية لبناء حاضرها أو استشراف مستقبلها.
جدلية المواقف الفكرية من التراث
انقسمت الرؤى الفكرية المعاصرة في تعاطيها مع التراث إلى اتجاهين متقابلين يقول الأول منهما:
لقد كان التراث عصراً ذهبياً وعلى ذلك فنصوصه المدوّنة ليست تاريخاً ولّى وانتهى، بل هو مرجعية مطلقة صالحة لكل زمان ومكان، وأي مساس فيه لتغيير أصالته بدعوى التجديد والتطور هو جريمة لا يمكن أن يقبل بها.
أما الاتجاه الآخر فهو على النقيض حيث يرى أصحابها وهم رجال الحداثة أن التراث عبء ثقيل يعيق حركة التقدم واللحاق بركب الحضارة، وعلى ذلك فإن النهضة التي تطلبها الأمة لا تتحقق إلا بقطيعة معرفية مع التراث.
الرؤية المنهجية (الفصل بين الوحي والمنتج البشري)
أدت هذه الرؤى المتشنجة والتي يعيشها كل اتجاه في فهم التراث إلى حالة غير صحية جلبت معها كثيراً من الغبش الفكري والاضطراب النفسي، مما أنتج اغتراباً معرفياً واسعاً، وذلك يدفعنا إلى إثارة سؤال لا بد منه: ما هو الموقف المنهجي المتوازن الذي يمنحنا رؤية وعي وبصيرة في عملية فهم التراث والتفاعل معه؟ وقبل ذلك لابد أن نسأل كي نؤصل لفهم تأسيسي: هل التراث منتج بشري خاضع للنقد والتمحيص، يضم الحي الذي يُبنى عليه والميت الذي تجاوزه التاريخ، أم هو وحي مقدس ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
إن المنهج الإيماني الصادق والرصين يقتضي الفصل القاطع والكامل بين كتاب الله (القرآن الكريم) وبين مفهوم التراث، فالقرآن الكريم: هو كلام الله المطلق والمقدس، الموجه لجيل التنزيل ولكل جيل يأتي من بعده إلى قيام الساعة، لا يحق لأحد أن يلغيه أو يلغي بعضاً من آياته أو أن يعطل فهماً أو حكماً أمر به الله تعالى تحت أي دعوى كانت، فلا الحداثة ولا التطور ولا أي مسمى يمكن أن يعطل آية واحدة من آيات كتاب الله، ودلالاته ومفاهيمه ثابتة عابرة للأزمان، وكما خاطب الله بكتابه جيل التنزيل فإنه يخاطب به كل جيل حتى يوم القيامة، وكما كانت آيات القرآن رسالة الله لجيل التنزيل، فإن هذه الآيات هي رسالة الله لكل الناس حتى يوم القيامة، والمفاهيم التي قدمها الله في كتابه المبين زمن التنزيل هي ذات المفاهيم التي يقدمها كتاب الله إلى جميع الناس وإلى يوم القيامة، أما التراث فهو الاستجابة البشرية التاريخية لرجالات كل عصر بناءً على تحديات زمانهم وسياقاتهم المعرفية والسياسية والاجتماعية، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ، ومنهم من صدق الله، ومنهم من غرته الدنيا.
بناءً على ذلك، فإن التعامل الواعي مع التراث يوجب مراجعته وفق ضوابط النهج القرآني والمعيار المعرفي، فهو صورة من صور الاستجابة للتحديات التي يفرزها زماننا، والموقف الحصيف هو الذي يميز بين الثوابت القطعية التي نلتزم بها، وبين الاجتهادات القابلة للدراسة والفرز، لننتخب منها ما ينسجم مع مقاصد الوحي، فكم من مواقف وآراء وأحكام قد تأثرت بظروف اجتماعية وسياسية وذاتية، وإننا إذا عدنا إلى قراءة الجهود البحثية في تاريخنا الديني وتتبعنا تاريخ الممارسة النقدية في التراث الإسلامي، سنجد أن علماء الحديث (أهل الرواية والدراية) في القرن الثالث الهجري وما بعده، قدموا نموذجاً ساطعاً في نقد التراث وتفكيكه، فقد أدرك أولئك الجهابذة أن المرويات المتراكمة عبر القرون الثلاثة الأولى والتي بلغت مئات الآلاف — والتي كانت تمثل تراثاً لعصرهم — ليست لها قداسة ذاتية تمنع من فحصها، ولذلك اجتهدوا في صياغة أدوات معرفية صارمة وقواعد نقدية دقيقة (علم الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث) لفرز الصحيح من السقيم، وانتخاب الروايات الموثوقة واستبعاد المرويات التي وُضعت لخدمة أغراض سياسية أو مذهبية أو شخصية لا تتوافق مع قيم الدين، وما زالت هذه الحركة النقدية مستمرة، حيث نجد في كل عصر صفوة من المحدثين من يعيدون النظر في اجتهادات من سبقهم بناءً على ما ترجح لديهم من أدوات ومناهج، وهو ما سنفصله بإذن الله ضمن سياق أبحاثنا التاريخية المقبلة.
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى أدوات معرفية ومصفوفات قرآنية نقدية تمكننا من فقه أبعاد التفاعل مع التراث بعيداً عن الانفعال والارتجال والإلغاء، فالخطاب القرآني يحثنا على إعمال الوعي وتحمل المسؤولية المعرفية، وعلى ذلك فإننا سنعمل في بحوثنا القادمة بعون الله على تنسيق أدوات المسؤولية القرآنية المنهجية وترتيبها، لتكون دليلاً لنا في تفكيك إشكاليات التراث، نستلهم منه ما يوافق محكمات كتاب الله وما يدفع بنا نحو النهضة، دون أن نغرق في بعض متاهات تفاصيله العقيمة، ودون أن نصنع معه قطيعة تحرمنا من خيراته وبركته المعرفية.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ