مقاصد التدبر ومسؤولية الوعي
لا يمكن أن يستقيم فقه التدبر في آيات الذكر الحكيم إنْ هُوَ أُطِّرَ في سياق الاشتغال المعرفي البارد، أو صُيِّرَ حرفةً يُبتغى بها عرَض الحياة الدنيا، فالتَّدبر أَمانة وجودٍ لا حِرْفَةُ معاشٍ، لأنَّ التدبر الحق ينطلق من كونه مسؤوليةَ رسالة تعيشها مشاعر الخشية الوجلة، وتحدوها الرغبة في رحمة الله الكريم
إنَّ جوهر التدبر القرآني يكمن في ارتحال الذات بكليتها نحو النص بما تحمله من التزام نفسي وذهني وسلوكي، حتى يعيش المتدبر مع الوحي كأنما يتنزل عليه هو، هنالك يتحمل العبد عبء البلاغ بصدق، ويوجه حياته في نشر الهدى، فلا تجتذبه الدنيا بزخرفها الزائل، ولا تطفئ روح قلبه بمفاتنها، بل يصبح الهمّ همّ الآخرة ويصبح المسعى مسعى الآخرة، هذا السمو الروحي هو ما يصوره البيان الإلهي بأعذب لفظ وأعمق معنى:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} سورة الزمر/23
إن من غريب المفارقات وأشدها إرباكاً في أدبيات الفكر القرآني المعاصر، أننا نرى الباحثين يلهجون بكرةً وعشياً بيسر القرآن ووضوح دلالاته، ويقررون وجوب تدبره كأصلٍ تكليفي يناط بالناس جميعاً على حد سواء، بيد أنهم في ممارساتهم التحليلية يحيلون مقاصده الشامخة إلى ألغاز شائكة تتطلب أدواتٍ تفكيكية مجهدة، جعلت المتلقي يعيش في تيهٍ معرفي مرير، متأرجحاً بين فكرة "يسر النص" المعلنة، وبين "عسر الأدوات" المطبقة، ولا ريب أن هذا المسلك المتناقض لن يفضي إلا إلى تعميق فجوة الاغتراب الروحي بين المسلم وكتاب ربه، وَتوسيع رقعة القلق فِي السَّاحة الدينية، بل إن بعض المنابر الثقافية قد كرست هذه الغربة عمداً، حين جعلت فهم التنزيل حكراً على نخبة ضيقة تدعي احتكار أدوات المعرفة، وكأن شعار "اليسر" لم يكن في حقيقته إلا مسوغاً يمتطونه للولوج في حمى النص، من أجل صياغة تأويلات تخدم مآرب وغايات، نائين بأنفسهم عن مراد الوحي ومقاصده السامية، مما سمح لهذه المنابر ـ تقليدية كانت أم حداثية ـ أن تفسر حالة تخلف الواقع الإسلامي بغياب الفهم الصحيح للنص، وبذلك فهي في مجموعها قد غفلت عن الداء الأساس الكامن في البنية النفسية للإنسان المسلم المعاصر، هذه البنية التي رانت عليها قيم الخنوع والأنانية فاستمرأت التخاذل عن العمل لغدٍ مجتمعي رسالي جاد.
قال الله تعالى:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة/63
إن النفس حين تركن إلى العجز والتخاذل، تبدع في نسج سواتر فكرية ومتاهات جدلية تلوذ بها هرباً من استحقاقات التكليف الرسالي الحازم، وإن هذا الغرق الممنهج في دوامة الجدليات، وإثقال كاهل النص بآليات تأويلية متصارعة، ليس هو في جوهره إلا حيلة نفسية للتشويش على المقاصد الأخلاقية والسلوكية البيّنة للقرآن الكريم، وهو ما يفضي بالضرورة إلى تمييع المسؤولية، وتهميش الغاية الوجودية للرسالة، والانفصال التام عن نداء الوحي المسؤول.
من الترف الفكري إلى روح الإحياء
إن تصحيح المفاهيم النظرية في التصور القرآني لم يُشرع ليكون غايةً في ذاته، بل جاء وسيلة لعلاج أمراض القلوب واعتلال السلوك واختلال المفاهيم، غير أن النظر في النتاج الفكري لكثير من الباحثين المعاصرين يكشف عن انحراف مبين عن هذا المقصد الأسمى، حيث أحالوا هذا التصحيح غاية مطلقة، فاستغرقوا فيه وتاهوا في دهاليزه، وأعرضوا عن القضايا الوجودية الكبرى التي نزلت آيات كتاب الله لبيانها، وما هذا الانحراف الغائي إلا مَعبر لمزيد من الشتات والوهن، ومورث حتمي لغياب وظيفة ومسؤولية الشهادة على الناس التي وكل الله بها عباده المؤمنين.
إننا، في صلب أزماتنا الراهنة، لسنا بحاجة إلى فهوم متكلفة ـ حداثية كانت أم تقليدية ـ تصيّر آيات كتاب الله طلاسم مغلقة، أو تتخذها ترفاً فكرياً تُمَتِّع به العقول، أو أساطير تتسلى بها، أو جدليات تتراهن عليها وتتخاصم، ولسنا بجاجة كذلك لاستيراد فهومٍ تزيد حيرتنا شتاتاً، بل جلّ مانريده قراءة في كتاب الله بالروح التي نزل بها أول مرة، تلك الروح الإحيائية التي تعيد لمّ شملنا، وتبوئنا من جديد مقام "الشهادة على الناس"، هذه الروح التي غابت عن مجتمعاتنا، ولن نستعيدها إلا باستحضار المفاهيم القرآنية الجادة وتفعيلها في ساحة الواقع والعمل، خالصة من أي أكنّة نظرية مضطربة أحاطت بها.
إن المفاهيم التي نريد استحضارها لا تحتاج إلى علوم جدلية ولا إلى أي أدوات معرفية شائكة ولا إلى سردية تطور الدلالات التي تغير من مراد آيات كتاب الله، و إنما تحتاج صدقاً مع الله ونقاء القلوب ووقفة شجاعة ومسؤولة وإرادة فاعلة.
الأمة الواحدة.. ميثاق غائب
يأتي في طليعة هذه المفاهيم التي تتوق النفوس لبعثها: "مفهوم الأمة الواحدة"، والوقوف سداً منيعاً في وجه داء التشرذم والاختلاف في الدين، ذلك الداء الذي استنزف طاقات الأمة طويلاً، وعطل مسيرتها في النهضة، وللحقيقة، فإننا لم نعمل على تحقيق هذا المفهوم بمسؤولية، ولم يسعَ الفكر المعاصر للكشف عن الأسباب الحقيقية التي كرست ظاهرة الاختلاف، على اعتبارها المظهر الأبرز لنكوصنا المعرفي وهزيمتنا الحضارية التي نكابدها.
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} سورة الحديد/16
تأسيساً على ما سلف، يعتزم هذا المنبر ـ مستعيناً بالله تعالى ـ أن يكرس جهوده في البحث والدراسة للوقوف على القضايا القرآنية الأصيلة، قضايا تجمع بين يسر الفهم والجدية في آنٍ واحد، لتكون عوناً لذلك الجيل الرسالي الرافض لأوهام الجدال الزائف، ذلك الجيل الذي ينشد التحرر من قيود العبثية التي شتتت جمعه و كبلت سلوكه المسؤول وأربكت مشاعره الصادقة.
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ