دراسة في دلالة بنية الكلمة وتضافرها مع السياق لتقديم المعنى المراد
يمثل النص القرآني الذروة العليا للإعجاز البياني، إذ تتضافر فيه الدقة الصرفية للكلمة مع اتساق السياق لنسج دلالات تحدد المعنى المراد من الكلام، ولا تعد العلاقة البيانية بين "المفردة بوزنها الصرفي" و"التركيب بفضاء سياقه" مجرد تجاور لفظي، بل هي التحام عضوي يُحدد مقاصد الخطاب ويصون الفهم من شطط التأويل.
تتألق المفردة القرآنية بوصفها اللبنة الأساس في صرح الخطاب الإلهي، إذ تتسم بخصائص لسانية تتفرد بها عن سائر الكلام البشري، فهي تكتنز في جوفها معنى أصيلاً واحداً، تحتفظ به، وتتسامى هذه الدلالة الأصيلة فوق تقلبات السياق العابر وتتحرر من قيود القوالب الصرفية، لتبقى دلالتها الأصيلة أمراً ثابتاً ومعنى محورياً لا تتخلى عنه ولا هو يغادرها.
يهدف هذا البحث إلى جلاء أثر الدلالة الأصيلة للجذر اللساني، والوقوف على البعد الدلالي للتنوع الصرفي، واستكشاف كيفية توجيه السياق لهذه الطاقات الصرفية لاستنباط المعنى المراد بكفاءة وطمأنينة.
أولاً: المعنى المحوري لجذر الكلمة ووظيفته في توجيه الدلالة
إن اللسان العربي لا يعرف العبث في بنيته، فلكل أسرة كلمية تنتمي إلى جِذر واحد دلالة أصيلة "معنى محوري جامع" تسري في جميع مشتقاتها سريان الماء في عود النبت، وتتجلى قيمة استخلاص هذا "المعنى المحوري" في :عملية فهم النص القرآني والتفاعل معه من خلال نقطتين رئيسيتين
ـــ إحكام ضبط دلالة المفردات: إذ يُشكل المعنى المحوري البوصلة التي تمنع قارئ النص القرآني من التشتت بين تعدد المعاني.
ـــ تمحيص المرويات التفسيرية: يُعد المعنى المحوري معياراً نقدياً يُحتكم إليه لترجيح ما يأتلف مع روح الجذر واستبعاد التفسيرات المروية التي تتجافى مع هذا الأصل الدلالي.
ثانياً: الخصوبة الصرفية والأبعاد الدلالية لكل صيغة
إن عملية الاشتقاق الصرفي ليست محض توليد بنيوي أو تجميع آلي للحروف، بل هي نظام فكري معرفي يعكس اقتدار اللسان على استثمار الدلالة الأصيلة لتوليد دلالات ذات أبعاد مجتمعية ووجودية.
وإذا كان المعنى الأصيل للجذر اللساني يمنح الأسرة الكلمية "هويتها الكلية"، ويعطي المظلة التي تستظل بها كل دلالة فرعية سياقية، فإن الصيغة الصرفية (بناء الكلمة) هي التي تسبغ على المفردة "صورتها الوظيفية" الحية، إذ تتيح التغيرات الهيكلية في بنية الكلمة (كالزيادة، والتحول بين الفعلية والاسمية) إبراز أبعاد دقيقة تتصل بـالزمن، والاستمرار، والفاعلية، والنوع، وعلى الرغم من اشتراك المشتقات في الأصل العام، فإن كل صيغة فردية تختص بـ "دالة بيانية فرعية" لا تسدّ مسدّ غيرها داخل الخطاب، فالانتقال من دلالة الفعل الماضي (آمنَ، أسلمَ، كفرَ، قتلَ) إلى المضارع (يؤمنُ، يسلمُ، يكفرُ، يقتلُ) ينقل المعنى من التقرير والحدوث الناجز إلى ظلال التجدد، والحدوث المتكرر، واستحضار الصورة في الذهن.
كما أن الفرق بين صيغة الفعل (سرقَ) وصيغة اسم الفاعل (سارق) هو الفرق بين حدث عارض مقترن بزمن محدد، وبين وصف ثابت يدمج الجريمة بذات الفاعل، مما يغير التكييف البياني والتشريعي للمفردة داخل السياق، فلا تعمل المفردة بصيغتها الصرفية بمعزل عن السياق، بل تتآلف مع السياق القرآني الذي يمثل القوة الموجهة والمحددة لإمكاناتها الدلالية، فالتنوع الصرفي يمد الخطاب بـ "المادة الأولية المشحونة بالطاقة"، بينما يأتي السياق ليرسم حدود هذه الطاقة وينتخب الوجه المعنوي الأدق
وإذا كانت الصيغ الصرفية المشتقة من أصل واحد تشترك في المعنى العام، فإن توجهها الخاص لا ينكشف تماماً إلا حين تتنزّل في موقعها المخصوص من السياق، فتؤثر فيه وتتأثر به
وعلى هذا فإن وظيفةُ علم الصرف تتجاوز حدودها التقليدية المحصورة في ضبط الأوزان، ومعرفة السالم والمعتل، لتغدوا وظيفته الأسمى هي "توجيه دلالة الخطاب"
الفريضة المنهجية وكسر أغلال الغربة
لقد كان التعامل مع هذا التناغم الصرفي في سياقه سجية مطبوعة لدى الجيل الأول في عصر التنزيل، إذ أدركوا بسليقتهم العربية ما في كل صيغة ومفردة من دلالات وتوجهات، غير أن تطاول العهود أوجد حالة من "الغربة البيانية" بين القارئ المعاصر والنص القرآني، حتى غدت هذه المقاصد الدلالية مستغربة أو عسيرة المنال.
إن هذه الغربة التي صنعتها عوامل كثيرة، لا تمثل عذراً للانكفاء فيتملكنا الشعور بالعجز، بل تفرض مسؤولية علمية وإيمانية تقتضي كسـر هذه القيود المكبِلة لفهم كتاب الله، وذلك لإعادة بعث المعنى القرآني في القلوب والأذهان، حذراً من الإندراج في شكوى الرسول ﷺ التي سجلها القرآن
[الفرقان:30]{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ