{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} سورة إبراهيم/4
قراءة في مرجعية "لسان القوم" ونقد السيولة الدلالية للخطاب القرآني
يقوم الخطاب الإلهي الموجه إلى الناس على قاعدة تواصل أصيلة تستهدف الهداية وإقامة الحجة، إذ لا يمكن لرسالة الله أن تُحقق غايتها الأخلاقية والوجودية ما لم تُصَغْ ضمن نظام بياني مألوف للمُخاطَبين، يتسم بالوضوح ويفصح عن مراد المُرسِل دون التباس، وهذا هو المنطق الذي تتأسس عليه الفكرة التواصلية لرسالات الله والتي ترتكز على قاعدة مطابقة اللسان لثقافة المخاطَبين ــ المطابقة اللسانية والمعرفية بين الرسول وقومه ــ إذ ليس المقصود بـ "لسان القوم" مجرد أداة صوتية، بل استيعاب منظومة المفاهيم والأساليب والدلالات والصياغات التي تعارف عليها المخاطَبون المعاصرون للتنزيل.
إن اشتراط القرآن للبيان ب "لسان القوم" هو في جوهره تأسيس لعدالة التكليف، إذ إن التكليف المترتب على الخطاب لابد أن يتناسب مع وضوحه وبيانه ضمن السليقة اللسانية للمخاطَبين ، بحيث لا يحتاج فهم مراد الله إلى "ملكات إشراقية" أو أدوات تختص بها جماعة دون أخرى، وكلما كان الخطاب واضحاً ومفهوماً انقطعت أعذار المكلَفين، وبناءً عليه يغدو البيان المتاح لجميع المكلفين المبني على الاختيار الواعي هو الشرط المنطقي والأخلاقي لصحة الهداية والإضلال المترتبين على الاختيار، إذ لا يصح عقابٌ ولا استحقاقٌ لثواب إلا بعد بلاغٍ مبين ينقطع معه كل عذر.
إن الناس في عهد التنزيل لم يقفوا في كتاب الله على أسلوب لم يعتادوا لفظه في معنى غير المعنى الذي تعارفوا عليه، فلم يأتِ النص القرآني بألفاظ غريبة أو تراكيب مستغلقة أو أساليب خارجة عن سنن أهل زمن التنزيل في القول، بل جاء منسوجاً على أصول المواضعة البيانية المتداولة والمألوفة، وهذا ما يجعل من خطاب القرآن وسيلة تواصل محكمة، فالكلمات تتعلق ببعضها وتنتظم على أصول لتكون الخريطة الظاهرة الواضحة المحددة التي نتوصل بها إلى المعاني التي تعبر بدقة عن مراد صاحب الخطاب (جل وعلا).
من هنا تنهض هذه الدراسة لتسليط الضوء على مبدأ "لسان القوم" بوصفه معياراً معرفياً يضمن استقرار المعنى، ويحمي الخطاب القرآني من غواية التفكيك ومأزق النسبية الدلالية، حيث يواجه الفكر الإسلامي — في اتجاهاته التأويلية المتعددة — أزمة منهجية حادة تتمثل في نزع النص القرآني عن بيئته اللسانية المباشرة، وإحالة دلالاته إلى سيولة معنوية لا تتناهى، تُسوغ للمُتلقي أن يحل مراده الخاص محل قصد الشارع، وهنا تتجلى خطورة هذا الانحراف المنهجي إذ يُلغى التلازم بين اللفظ ومراد المتكلم، وهي الآفة التي تسربت عبر بوابة التفسيرات الباطنية والتأويلية المتكلفة، قبل أن تتكرس بصورة أكثر تقنيناً في بعض تطبيقاته التراثية والقراءات ــ الحداثية التنويرية على حد سواء ــ التي أصلت لفك الارتباط بين اللفظ ومراد المخاطِب.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه فهم النص القرآني، هو محاولة انتزاعه من سياقه البياني التداولي المباشر، وتحويله إلى نص مفتوح على احتمالات دلالية لا تتوقف، سواء باسم "الاستغراق التراثي أو نظرية الفهم الحداثية، مما يفرغ النص من حمولته الهادية ويحيله إلى مساحة يمارس القارئ فيها ما يشاء وكيف يشاء.
إن الادعاء بفتح النص على دلالات متعددة وتأويلات غير منضبطة بضابط اللسان العرفي المعاصر للتنزيل، يؤدي إلى تحييد مراد الله (صاحب الخطاب) لصالح الذات المستقبلة (القارئ/المفسر).
إن خطورة السيولة التأويلية لا تقف عند حدود الممارسة اللسانية، بل تمتد لتسقط القيمة الأخلاقية للرسالة، إذ يغدو تعدد المعاني المتناقضة ذريعة للتنصل من التكليف المحدد، أو تفصيل مراد الله وفق أهواء الرغبات البشرية وتبدلاتها.
إن الوظيفة الكبرى للقرآن الكريم كما عرّفه الله هي أنه {هُدًى لِّلنَّاسِ}، والهداية مفهوم يقتضي بالضرورة انضباط معانيه ودلالاته وتحدد مقاصده، إذ لا يمكن لخطاب سيال متعدد الرؤى مُشتّت المعالم، مرتبك المقاصد، أن يحقق وظيفة "الهداية" إلى صراط مستقيم، لذلك فإن الحفاظ على مقاصد الخطاب الإلهي عبر الالتزام بـ "لسان القوم" وقواعد اللسان العربي المحكم، هو السبيل الوحيد لصيانة النص القرآني من عبث التأويلات، وضمان استمراره كحجة قائمة وبلاغ مبين لكل زمان ومكان ووسيلة تواصل حقيقية وفاعلة بين الخالق والمخلوق.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ