مقصد الهداية ومنهجية التقدير الدلالي للمفردة القرآنية: قراءة في وظيفية النص وآليات الاستنباط البياني
وظيفية النص القرآني والمقصد الأسمى
تتعدد الزوايا التي يُنظر من خلالها إلى النص القرآني، وهنا يتساءل الطرح المعرفي: هل القرآن كتاب لغة، أم أثر أدبي، أم مدونة تشريعية، أم وثيقة اقتصادية وتربوية وتاريخية وسياسية؟ والواقع أن التوصيف الإلهي الناجز يختزل هذه التساؤلات في جوهر جامع ومقصد أسمى يُعبّر عنه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}.
إن القرآن الكريم، في أصله الوظيفي ووجهته المعرفية، "كتاب هداية"، إذ يستهدف تقويم الوجود الإنساني، وتوجيه مساراته الذهنية والسلوكية نحو الموقف الحق، والكلمة السديدة، والغاية الرشيدة، مقيماً بذلك معالم السير الحضاري والروحي للفرد والجماعة، وبناءً على هذه المقصد الحاكم، لا ينهض النص القرآني بوصفه موسوعةً للعلوم الطبيعية، ولا صياغةً للمعادلات المادية والنواميس الكونية، وإنما يستدعي تلك الظواهر ويستحضر المشاهد الكونية في سياقات بيانية متناسقة لحشد الأدلة على قدرة الباري، وإثارة حاسة الشكر، ولفت العقول إلى الحكمة الإلهية، ليبقى البُعد المعرفي لمفهوم الهداية هو المحور المحرك لكل استشهاد كوني.
اللسان المبين والنظم البلاغي للمفردة
ولمّا كانت الهداية تقتضي الإفصاح والبيان، كان لا بد للنص القرآني أن ينزل بـ "لسان عربي مبين"، تتجسد فيه أعلى مراتب الفصاحة والنظم المتسق، فالنظم القرآني المعجز ليس إلا نسيجاً محكماً تشكل "الكلمة" لبنته الأساسية.
تُعَدّ المفردة القرآنية الوحدة الدلالية الأولى في بناء الخطاب، وتتمتع بـ "دلالة أصيلة مجردة" تُشكل نواة معجمية ثابتة، يتولد عنها عبر التشكل الصرفي والسياق التركيبي حقول دلالية تثري الفكرة والموضوع، فالكلمة لا تخاطب الذهن بعزلتها المعجمية فحسب، بل من خلال تفاعلها الحي مع بنائها الاشتقاقي، ومع الجوار اللفظي والسياقي داخل النظم الشامل. ومن هنا يبرز السؤال الموضوعي: كيف يمكن للدارس أن يلج إلى الدلالة البيانية الأصيلة للمفردة القرآنية بعيداً عن التأويلات غير المسؤولة؟
الركائز المنهجية للوصول إلى المعنى المحوري للمفردة
لتحقيق ضبط علمي لاستنباط الدلالة المجردة والبيانية للمفردة القرآنية، يعتمد منهج التحليل على ثلاث ركائز رئيسة متكاملة:
الاستقراء القرآني الشامل (التحليل السياقي والبنائي المتقاطع):
ـــ يتأسس هذا المسلك على تتبع سائر مظاهر ورود المفردة بمختلف تصاريفها الاشتقاقية في النسيج القرآني الكامل، مما يتيح هذا الاستقراء استنتاج "المعنى المحوري" الجامع الذي تنتظم تحته كل الصُّوَر الصرفية. فالتصريف الصرفي يُمثّل توجيهاً وظيفياً للمعنى المحوري الثابت نحو غاية سياقية محددة، دون أن يقطع الصلة بنواته الدلالية الأولى.
ـــ الاعتماد على الموروث اللساني والعملي التواتري:
تُستمد بعض الدلالات من الذاكرة اللسانية والسلوكية الجمعية للأمة، والتي انتقلت عبر الأجيال تواتراً شفهياً وتطبيقياً كالمفاهيم الشعائرية (الصفا، المروة، العمرة). ويشترط في اتخاذ هذا الموروث مرجعاً دلالياً شرطان حاسمان:
ا* نسجام المعنى الموروث اتساقاً تاماً مع السياق القرآني الناظم للمفردة.
عدم مصادمة المعنى لأي أصل من أصول الدين أو ثوابت العقيدة والشرع.
وفي حال تعدد الدلالات المنقولة في الموروث الجمعي، يُرجَّح المعنى الأكثر ملاءمة للسياق التركيبي والمطابق للمنظومة الكلية للنص القرآني.
ـــ التحقيق المعجمي المقيد بسياق النظم وثوابت الشريعة:
تُمثّل المعاجم والقواميس اللغوية مظهراً توثيقياً لمدونات اللسان العربي، ويخضع الاستشهاد بها للضوابط المعيارية المطبقة على الموروث الجمعي، حيث يُرفض أي معنى معجمي يُخرج المفردة عن اتساقها مع السياق الخاص للآية، أو يتناقض مع المقاصد العامة للدين.
وتشتد أهمية هذا الشرط الناظم حين يتعلق الأمر بالمفردات الواردة في معارض الحديث عن الله واليوم الآخر والأنبياء، وعن التشريعات الناظمة للحياة الإنسانية.
تؤسس هذه المبادئ الثلاثة لـ "منظومة تحري دلالي" تضمن حماية النص القرآني من الفهم الدخيل أو التفسير المجتزأ.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ