تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)
دراسة رقم (2)
يقدم المشروع الفكري للدكتور محمد شحرور نفسه في سياق المحاولات التجديدية الساعية إلى إعادة بناء فهم النص القرآني، متوسلاً أدوات بيانية ومعرفية، ولعل المرتكز الأساس الذي قام عليه هذا المشروع هو ما يمكن تسميته بـ «التفكيك البنيوي لآيات الكتاب الحكيم»، إذ عمد إلى الفصل في المفاهيم بين فضائين من الآيات: آيات النبوة وآيات الرسالة
آيات النبوة عنده: تشمل (القرآن، والسبع المثاني، وتفصيل الكتاب)، وهذا الفضاء يمثل عنده حقل المعرفة الوجودية وقوانين الكون وحركة التاريخ
آيات الرسالة عنده: تتمثل في (أُمّ الكتاب) وتختص بالجانب التشريعي والأحكام والعبادات
يرى الدكتور محمد شحرور أن خلط الوعي التراثي بين هذين الفضاءين صنع معضلة كبرى في بنية العقل الديني ولو استطاع المسلمون التمييز بين هذين المفهومين (النبوة والرسالة) لجنّبوا الأمة هذا الأفول الحضاري والوهن الممتد
إن هذا الطرح يضعنا ابتداءً أمام تساؤل معرفي جوهري: هل كان هذا التمايز الذي يطلبه الدكتور محمد شحرور حاضراً وواضحاً في الوعي الجمعي للرعيل الأول وما بعده، ليكون رافعة النهوض التي جعلت من الحاضرة الإسلامية مركزاً للعلوم؟ وهل يمثّل هذا الفصل الرياضي الحاسم بين النبوة والرسالة الترياق الحقيقي لكسر قيود الهوان، والانعتاق من أسر الانهزام الحضاري الذي نكابد ظلاله اليوم؟ أم أنه مجرد هروب نظري إلى الأمام؟
ينطلق الدكتور شحرور في مقدمة مصنفه (ص 31) من فرضية تقضي بضرورة وجود نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية إذ يقول: [إن غياب هذه النظرية المصاغة صياغة معاصرة أدى بالمسلمين إلى التفكك الفكري والتعصب المذهبي]
وهنا يبرز التساؤل ذاته بنبرة أكثر إلحاحاً: هل كان جيل التأسيس في عصر النبوة والعهد الراشدي يستند إلى نظرية معرفية مصاغة خارج حدود المفاهيم القرآنية الحية التي عرفها وجدانهم ومن ثم كانت سبباً في وحدتهم وقوة شوكتهم؟ وهل تخلوا بعد ذلك عن تلك النظرية فتفرقوا شيعاً؟ وإن كانت قد وُجدت حقاً، فما هي محدداتها المعرفية وحيثياتها البنيوية؟
إن الاستقراء التاريخي يعلّمنا أن الشعوب المكبلة التي تقتات على "الأماني" وتستعيض بها عن الفعل التاريخي، لن تقوى على تحطيم أغلالها، ولئن كانت الأماني تتجدد بتجدد السياقات، فإن أطروحة شحرور لم تنجح في تفكيك هذه الأماني المخدِّرة بل لعلها تورطت في صناعة "أمانٍ حداثية بديلة"، واهبة الإنسان المعاصر وهماً مريحاً يخيّل إليه أنه أدى مسؤوليته الوجودية بمجرد اعتناق هذه الرؤى المفاهيمية
التناقض بين التأصيل والتطبيق
يقول الدكتور محمد شحرور في كتابه ص (47): [وقد تعرفت عن طريق الدكتور جعفر على آراء الفراء وآراء أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني وعلى أراء عبد القاهر الجرجاني، فعند ذلك الوقت أدركت أن الألفاظ خدم المعاني]
تتبدى فجوة منهجية أخرى في مشروع الدكتور محمد شحرور عند رصد المسافة الفاصلة بين تنظيره اللساني وممارسته التطبيقية، فبينما يُؤصل لقاعدة لسانية تقرّر أن «الألفاظ خدمٌ للمعاني» ــــ وهو مستلهم في ذلك تراث عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في "نظرية النظم" والتي تقرر أن إعجاز الكلام وبلاغته لا يكمنان في الألفاظ المفردة بل في نظْمها وتأليفها سياقاً ونحواً وبلاغة — نجد التطبيق العملي عنده قد جاء على الضد من منطلقاته المنهجية، حيث غدا اللفظ سلطة مطلقة تخل بنظم السياق وتوجّه مقاصد النص قسراً إلى غير وجهتها الأصيلة، محملاً الكلمات دلالات جدلية غريبة عن الحقل اللساني والنسق القرآني ومن شواهد هذا التوجه تناوله لكلمات مثل
الروح: يقول الدكتور شحرور في كتابه ص (40): [وقد تبين في بحثنا أن الروح ليست سر الحياة وإنما هي سر الأنسنة أي هي التي حولت البشر إلى إنسان]
وهنا يُخرج الدكتور شحرور هذا اللفظ عن استعماله القرآني السائد، مجرداً إياه من دلالته البيانية من خلال سلخه عن سياقه الخطابي، و شحنه بعمق جدلي مادي، بأن الروح "سر المعرفة واللغة والتطور المعرفي" الذي نقل الكائن من طور "البشر" (الوجود البيولوجي المحض) إلى طور "الإنسان" (الوجود العاقل)، وهو بلا شك قد حمّل اللفظ دلالة معرفية لا يحتملها وجهه اللساني وعلى ذلك فإنه أول دلالة اللفظ تأويلاً يسقط في ذات الدوامة السائبة التي تتيح لكل مؤول إعادة تشكيل اللفظ، ولا نعجب إن جاء غيره وحمّل هذا اللفظ دلالة جدلية أخرى بناء على سقفه المعرفي وهواه العقدي وهكذا سنتوه في دوامة التأويلية المعرفية
الحنيف: يقول الدكتور محمد شحرور" في كتابه ص 577 :[هذه الحقيقة أول من اكتشفها وسلم بها في التاريخ الانساني هو إبراهيم عليه السلام وبهذا كانت ميزته على الأنبياء والمرسلين، أي أنه اكتشف الطبيعة الحنيفية «المتغيرة» وسلم بها وبذلك اكتشف أن كل شيء ما عدا الله فهو حنيف، وأن تثبيت أية ظاهرة في الوجود هو شرك بالله، أي أشرك هذه الظاهرة مع الله في بقائها وثباتها] وبناءً على ذلك فإنه يرى أن كل شيء في الوجود سوى الله سبحانه وتعالى فهو "حنيف" أي متغير، وأن محاولة تثبيت أي شيء نسبي في الوجود يعتبر نوعاً من الشرك، لأن الثبات المطلق لله وحده
إن اللفظ حنيف الذي قدمه البيان القرآني ما هو إلا تعبير عن التوحيد الخالص والتوجه المحض إلى الحق، وهذا ما يقودنا إليه اللفظ والسياق والخطاب ــ (سيكون لنا وقفة مع هذا اللفظ القرآني بإذن الله) ــ بينما نجد أن الدكتور محمد شحرور يلبسه دلالة معرفية تعبر عن "الحركية، والتذبذب، والنزوع من المطلق إلى النسبي"، في محاولة مكشوفة لتسويغ نسبية الأحكام، وذلك لتبرير سيولة المتغيرات التي ستتجدد وتتغير تَبَعاً لمتغير الزمن والحدث الذي تعالجه.
إن الشواهد على هذا المسلك كثيرة، ــ سنقف عليها بإذن الله ــ وبمذهبه هذا يتجاوز الدكتور محمد شحرور القواعد التي أصّلها بنفسه، ولا شك أن هذا المسلك آفة قراءةٍ تتوهم فكرة مسبقة، ثم تُلجئ النص والنظم والسياق إلجاءً لخدمة تلك الفكرة.
ثم نصل إلى واحدة من أمهات القضايا التي كانت ركناً مكيناً في التأصيل المنهجي الذي نسجه الدكتور محمد شحرور، ألا وهي قضية «ثبات النص وحركة المحتوى»، إذ يقول في الصفحة (36) من كتابه الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ما يلي: [بما أن نمط التفكير الإنساني لا يمكن أن يتم بدون لغة فيجب ان يصاغ الكتاب بلغة إنسانية أولاً، وثانياً أن تكون هذه الصياغة لها طابع خاص وهو أنها تحتوي المطلق الإلهي في المحتوى والنسبية الإنسانية في فهم هذا المحتوى، وهذا ما نعبر عنه بثبات الصيغة اللغوية «النص» وحركة المحتوى]
قبل مناقشة هذه القضية، أهيب بالقارئ الكريم تأمل هذا التأصيل ليتبيّن أن المقاربة التي قدمها الدكتور محمد شحرور كفتوح إبداعية معاصرة، ليست في حقيقتها إلا ربيبة الفكر التراثي الأصولي (العقدي والفقهي على حد سواء)، وإنما أُعيد إنتاجها بمسوح حداثية متطابقة المضمون
فحين ينادي الدكتور محمد شحرور بـ "ثبات الصيغة اللغوية" للنص القرآني (النص كبناء ورسم توقيفي مطلق قطعي النسبة إلى الله) مقابل "حركية المحتوى" (نسبية الفهم والدلالة للنص القرآني وتطوره بتطور السقف المعرفي للقارئ)، فإنه لا يكاد يخرج عن التقسيم الأصولي التراثي الشهير، ويوضح السياق الآتي كيف قام الدكتور محمد شحرور بإعادة إنتاج القواعد الأصولية التراثية بصياغات حداثية متطابقة المضمون
إن المتتبع للفكر الديني وبقليل من جهد يعلم تمام العلم أن المعاني الذي قدمها الدكتور محمد شحرور لا تختلف في مضامينها عن المعاني التي قدمها تراثنا حين قال في رؤيته الأصولية تجاه كتاب الله: بأنه كتاب قطعي الثبوت وفي عدد لا بأس به من آيات الله هو ظني الدلالة، وهذه المقارنة تكشف ذلك
المفهوم عند محمد شحرور * المفهوم المقابل في التراث الأصولي
ثبات النص وحركية المحتوى * قطعي الثبوت وظني الدلالة
النتيجة المعرفية الموحدة
النص ثابت في بنيته اللفظية ومرن ومتحرك في استيعابه للأفهام والدلالات
المفهوم عند محمد شحرور * المفهوم المقابل في التراث الأصولي الحكم الحنيف ــ مرونة التشريع * تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة
ــ المصلحة المرسلة ــ
النتيجة المعرفية الموحدة
المضمون متطابق وهو مرونة التشريع وصلاحيته للاستجابة للمتغيرات.
وحين يقرر الدكتور محمد شحرور أن "سلامة فهم آيات كتاب الله مرتبطة بالسقف المعرفي للإنسان"، فهذا صدى لما قرره علماء التراث وهو لا يفعل أكثر من إعادة إنتاج الشروط التراثية التي وضعت التضلع في مجالات علمية شتى شرطاً للتصدر للتفسير، لكن المفارقة تكمن في أنه انتهى — من حيث أراد التيسير — إلى "كهنوتية حداثية نخبوية" تحتكر فهم النص، لتجعل القراءة حصراً في من يمتلكون أدواته الفلسفية المعقدة، مخرجاً النص من فضاء اليسر والبيان الإلهي الذي نزل به القرآن إلى دهاليز التعقيد والغموض
تكشف لنا هذه المقابلة الموضوعية أن ما أصله الدكتور محمد شحرور ليس قطيعة معرفية مع التراث، وإنما هو امتداد مستتر للفكر الأصولي التقليدي، حيث استعار المضمون التراثي القديم ودثّره بألفاظ المعاصرة والحداثة لتبدو كبضاعة مبتكرة، بينما هي في جوهرها إعادة تدوير للموروث، ولعل مكمن الخطورة في صنيع الدكتور محمد شحرور هو توسيعه لدائرة النسبية وتعميمها على النص القرآني بكليته، جاعلاً من "التعدد الدلالي" للنص القرآني ميزة إعجازية تمنح النص قداسته، وبدونها يفقد كتاب الله قداسته ويخرج عن كونه نصاً إلهياً، وبهذا النهج يبيح الدكتور محمد شحرور وبقوة شرعية تشتت الفهوم ويأذن بتفرق الأمة تحت لافتة "حركية المحتوى
سأعمل — بإذن الله — في الفصول التالية على بسط القول في هذه القضايا وغيرها، في دراسة تحليلية مفصلة لمصنف الدكتور محمد شحرور ــ الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ــ
2026/8/13