تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)
دراسة رقم (4)
تُمثّل القراءة النقدية لأصول الطرح الفكري لدى الدكتور محمد شحرور ضرورة منهجية للوقوف على مدى تماسك مشروعه القائم على إعادة تفسير النص القرآني، إذ يكشف الفحص العلمي لمقدمات كتابه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» عن مفارقات معرفية وتناقضات منهجية في تعامله مع النص والواقع.
أولاً: المفارقة بين النص كرسالة من السماء تحمل مفهوم الهداية لكل الناس وبين الاكتشاف العلمي (تفكيك المقاربة الكونية)
يبدأ الدكتور محمد شحرور كتابه بقوله:
ص 29[ومثل هذا حصل لأهل الأرض عبر مئات السنين عندما كانوا يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض. ولكنهم كانوا عاجزين عن تفسير بعض الظواهر انطلاقا من مسلمتهم هذه، حتى جاء شخص واحد، بشر منهم ومثلهم. وقال: ان العكس هو الصحيح وان الأرض هي التي تدور حول الشمس
من هذه الحقيقة التاريخية التي حصلت فعلا تبين لي بعد ربع قرن من البحث الدؤوب والتفكر الطويل والتأمل الواعي أننا نحن المسلمين مأسورون لمسلمات قد يكون بعضها معكوسا]
يبدأ الدكتور محمد شحرور مدخله المعرفي بالاستدلال بمثال كسر المسلّمات التاريخية حول دوران الأرض والشمس، ليمهد لأطروحته بوصفها اكتشافاً جديداً للبنية الحقيقية للإسلام، غير أن هذه المقارنة تتضمن خللاً منهجيا بين نمطين مختلفين من المعرفة:
طبيعة المعرفة التجريبية: كشف الحقائق الفيزيائية (كدوران الأرض) يعتمد على أدوات القياس، والتطور التقني، والنماذج الرياضية، وهي معرفة تراكمية خاضعة بطبيعتها للتطور الخارجي.
طبيعة النص الحامل لرسالة الهداية: القرآن الكريم منهج هداية وقيم تهدف لتقويم السلوك البشري وإقامة العدل، وهو خطاب ميسر يتجاوز النخبوبة المعرفية المعقدة ليخاطب الوجدان والإدراك الإنساني المشترك.
وجه الخلل: محاولة اختزال النص الديني في نموذج اكتشافي شبيه بالعلوم الطبيعية يغفل طبيعة النص الوظيفية، وينتهي بإحالة فهم الدين إلى نخبة يمتلكون أدوات "أسرار مفاتيح المعرفة"، التي تحصلوا عليها بعد ربع قرن من البحث الدؤوب والتفكر الطويل والتأمل الواعي، وهو ما يناقض شمولية الخطاب القرآني ويسر أسلوبه وعبارته.
فهل يحتاج الإنسان هذا الزمن الطويل مع البحث الدؤوب ليصل إلى ما وصل إليه الدكتور محمد شحرور، ويكتشف ما اكتشفه صاحب هذا الكتاب أم يقلده على خط سيره ويكتفي بما كفاه الدكتور محمد شحرور؟
ثانياً: أزمة "العمق الفلسفي" واجترار السجال الكلامي
يقول الدكتور محمد شحرور
ص30[والأدبيات الإسلامية منذ مطلع القرن العشرين تطرح الإسلام عقيدة وسلوكاً دون أن تدخل في العمق الفلسفي للعقيدة الإسلامية ... ولم تصل إلى حل المعضلات الأساسية للفكر الإسلامي (التقليدي)، مثل أطروحة القضاء والقدر والحرية ومشكلة المعرفة ونظرية الدولة والمجتمع والاقتصاد والديموقراطة وتفسير التاريخ بحيث ينتج عن ذلك فكر إسلامي معاصر يحمل كلّ مقومات المعاصرة شكلا ومضموناً دون الخروج عن المقومات الأساسية للعقيدة الإسلامية في أبسط أشكالها وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر]
يوجه الدكتور محمد شحرور نقده للأدبيات الإسلامية لمعالجتها العقيدة دون الولوج في "عمقها الفلسفي"، داعياً إلى صياغة حلول لمعضلات القضاء والقدر والحرية ونظرية الدولة، وهنا يُسجّل على طرحه الناقد الملاحظات التالية:
إعادة إنتاج أزمات علم الكلام: ينزاح هذا التوجه نحو إعادة إنتاج المعارك اللاهوتية الجدلية التي استنزفت التراث الإسلامي (كقضايا خلق القرآن والإجبار)، والتي أدت تاريخياً إلى الانفصال عن قضايا الأمة الجوهرية كالعدالة ورفع الظلم. وكأن الدكتور محمد شحرور لم يقرأ في الدراسات الكلامية لكثير ممن سبقوه سواء ممن صنعوا تراث هذه الأمة أو ممن جاؤوا بعدهم وكيف أمضوا سنين ينظّرون في هذه الدراسات دون أن تؤتي أكلاً إلا حالاً من التيه والتشرذم أكثر
،لقد امتلأت صفحات كثيرة في كتب تراثنا حول مدلولات القضاء والقدر والحرية وتخاصم الناس فيها كثيراً
إن المشكلة لا تكمن في دراسة هذه المصطلحات إنما في النفوس المتخاذلة، والتي تحاول أن تستر تخاذلها وتبرر هروبها بهذه الدراسات فتشغل نفسها وتشغل غيرها عن آلام ومشاكل واقعها، لتبقى هي في برجها قريرة العين لا تكلف نفسها ما يعيشه المجتمع من مظالم، وتكون بذلك كأولئك الذين غرقوا في ديدن الدراسات الكلامية الجدلية فلم يعرفوا من الدين غير قضية خلق القرآن، ونسوا مظالم ومفاسد السلطان الذي كانوا يضربون بسيفه كل من خالفهم، هؤلاء الذين تشدقوا بمفاهيم الحرية والفلسفة نراهم يكرهون كل من خالف رؤيتهم ويتحالفون مع سلطان الاستبداد والإفساد، حالهم كحال من يتشدقون الآن بمفاهيم الحرية والوعي والحداثة والفلسفة ونقد التراث ولا يحركون ساكناً أمام قهر الناس وسلب كرامتهم
هناك أناس مغرمون بالأفكار والمصطلحات، وبالغوص كثيراً في مفاهيم الجدل والصراع لدرجة الهوس وحينها يغرقون في مستنقع التناقضات واللامعقول من نظريات المعرفة، ولكنهم لا يشعرون أنهم يغرقون بل يظنون أنهم يبحرون في عالم الكلمة والحقيقة ويريدون من الآخرين أن يبحروا معهم، وكلما أوغلوا أكثر غرقوا أكثر وابتعدوا عن عالم الشهادة والوقائع وأصبح قولهم كمن سبق من أصحاب الكلام والجدل.
الفرق بين التأسيس والتجريد: التأسيس القرآني للحرية والمسؤولية الإنسانية جاء صريحاً ومقترناً بالعمل والمحاسبة، ولا يحتاج الأمر إلى كل هذه الدراسات العقيمة، وإننا حين نحول هذه المفاهيم البينة ــ التي يعلم حقيقتها كل من له قلب حي ــ إلى جدليات فلسفية مغلقة فإننا نعزل الفكر عن واقع الإنسان ومعاناته المادية والتاريخية.
ثالثاً: تناقض دعوى الحياد العاطفي وسقوط المسبقات الجدلية
يقول الدكتور محمد شحرور:
ص31[إن الفكر العربي المعاصر ومن ضمنه الفكر الإسلامي يعاني من المشاكل الأساسية التالية:
١- عدم التقيد بمنهج البحث العلمي الموضوعي في كثير من الأحيان. وعدم تطبيق الكتاب المسلمين لهذا المنهج على النص القدسي الديني المتمثل بايات الكتاب الموحى إلى محمد حيث إن أول شرط من شروط البحث العلمي الموضوعي هو دراسة النص بلا عواطف جياشة من شأنها أن توقع الدارس في الوهم. وخصوصا إذا كان موضوع الدراسة نضا دينيا أو نحو ذلك.
2 - اصدار حكم مسبق على مشكلة ما قبل البحث في هذه المشكلة و مثال على ذلك «المرأة في الإسلام» اذ نرى الباحث الإسلامي مقتنعا مسبقا وقبل البحث أن وضع المرأة في الإسلام وضع سليم وأن الإسلام أنصفها فيكتب كتابا في ذلك ويقول إنه بَحْتُ علمي، وكل ما فعله أنه أوجد التبريرات لوجهة نظره المسبقة» ونرى الباحث المعادي للإسلام مقتنعاً مسبقاً أن الإسلام ظلم المرأة ويُقدم بحثاً عن ذلك ويقول إنه بحث علمي، وكلاهما وقع في الخطأ نفسه، إذ إن أي مشكلة تتطلب بحثاً علمياً موضوعياً تعني ان الباحث نفسه غير متأكد من النتائج. أولا يعرف النتائج أصلا وبالتالي أجرى بحثاً علمياً ليتأكد أو ليعرف النتائج وهذا ما قمنا به فعلاً في هذا الكتاب» ومن ضمنه بحث الإسلام والمرأة فعندما بدأنا بهذا البحث قلنا إننا لا نعرف شيئاً إطلاقِاً عن موقف الإسلام من المرأة. فجمعنا آيات الكتاب المتعلقة بالمرأة ودرسناها لنعرف ما هو وضع المرأة في الاسلام فخلصنا إلى نتائج لم نجدها في كتب التفسير، ولا في كتب الفقه، وتبين لنا أن المرأة لها وضعان: وضع في الكتاب، أي في النص المقدس، ووضع في الفقه الإسلامي الذي يحمل صفة التطور التاريخي (النسبية الزمانية والمكانية)]
يدعو الدكتور محمد شحرور إلى قراءة النص القرآني بتجرد تام من العاطفة والأحكام المسبقة، مستشهداً ببحث قضية المرأة، إلا أن الممارسة التطبيقية في مشروعه تناقض هذا الشرط المنهجي من وجهين:
ــ إن دعوى تفريغ الذهن التام عند التعاطي مع النص هي دعوى غير ممكنة في علوم فهم النصوص، فالقارئ يلج النص دائماً بأفق انتظاري، والشأن في التحقق المنهجي يكمن في عدم قسر الفكرة المصنوعة عقدياً على النص، وهو ما وقع فيه الدكتور محمد شحرور بإسقاط القوانين الجدلية على الأحكام التشريعية.
ــ الوقوع في قراءة اختزالية لمفهوم "ملك اليمين"، أعادت إنتاج أشكال من التمييز ــ أساءت إلى المرأة ــ تحت عناوين الحداثة.
تُمثّل طريقة الدكتور محمد شحرور في تقديم مفهوم «ما ملكت أيمانكم» وقضايا المرأة إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في مشروعه، إذ حاول عبر أدواته الخاصة إعادة قراءة مصطلح «ما ملكت أيمانكم» بمستوى معرفي يحاول من خلاله أن يجد مخرجاً لهذا المصطلح من قيوده التاريخية التي ألزمته تصوراً غير التصور الذي أراده كتاب الله ليقع في مأزق معرفي ــ أساء من خلاله للمصطلح القرآني وأساء به لقضية المرأة انطلاقاً من كونها الركن المجتمعي الآخر الذي له ما للرجل وعليه ما على الرجل ــ ، محاولاً إسقاطه على أشكال معاصرة من التعاقد شبه الزوجية بين الرجل والمرأة، لا تتطلب شروط مفهوم الزواج المتعارف عليه مما يجعل المرأة في مرتبة أدنى من مرتبة الزوجة التقليدية.
سأناقش هذا الموضوع على نحو موسع في البحث الذي يتطرق فيه الدكتور لقضية المرأة.
رابعاً: ارتهان الميزان المعرفي للفلسفات الوافدة
يتحدث الدكتور محمد شحرور في نقده للفكر الإسلامي المعاصر عن معاناة هذا الفكر من بعض المشاكل الأساسية ومن هذه المشاكل: ص31[عدم الاستفادة من الفلسفات الإنسانية، وعدم التفاعل الأصيل المبدع معها، حيث لا يمكن ان نضع كل ما أنتجه الفكر الإنساني، منذ اليونان إلى يومنا هذا في هامش الخطأ أو الباطل فإذا قلنا: إن كل ما طرحه الفكر الإنساني شيء والإسلام شيء اخر أي كل ما خطر في بالك فالإسلام غير ذلك، ينتج لدينا سؤال لا يمكن الإجابة عليه وهو (ما هو الإسلام)؟ فضمن هذا المنطق لم يتم تعريف الإسلام إلى اليوم، أما إذا قلنا: إن ما طرحه الفكر الإنساني فيه غث وفيه ثمين وفيه حق وفيه باطل، وفيه خطأ وفيه صواب، فهذا يعني أننا نحن المسلمين قادرون على أن نتفاعل إيجابياً مع الفكر الإنساني كله دون خوف أو وجل، ولكن حتى يتم هذا التفاعل الإيجابي يجب علينا نحن العرب والمسلمين أن نمتلك ميزاناً مرناً نستطيع أن نتفاعل به مع الآخرين» دون خوف، وهذا الميزان غير موجود عندنا في الوقت الحاضر]
يطالب الدكتور محمد شحرور بالتفاعل الإيجابي مع الفكر الإنساني عبر إيجاد "ميزان مرن"، غير أنه ينفي وجود هذا الميزان في الوقت الحاضر:
يحق لنا أن نسأل: كيف ينفي الدكتور محمد شحرور وجود ميزان يكون أداتنا لبيان طريقة التفاعل الإيجابي مع الفكر الإنساني؟
هل غاب عنه كتاب الله أم تجاهل ما فيه؟ أم إنه يبحث عن ميزان غير الميزان الذي أنزله الله؟ أم إن أدواته التعبيرية قد خانته؟ ففقد الصيغة الخطابية التي تظهر رؤيته على نحو صحيح؟
ثم إن الفلسفة الإنسانية ليست كتلة واحدة متجانسة، بل مدارس متصارعة التوجهات (من المثالية إلى المادية والوجودية)، والتفاعل معها يتطلب مرجعية نقدية ذاتية، لا التبديل المفهومي للرصيد القرآني لصالح مقولات فلسفية محددة.
يمتلك الخطاب القرآني رؤيته المعرفية والمفهومية عن الإنسان والكون والمعرفة، وإن استيراد المناهج الغربية المثقلة بالسرديات المعتمة والتي تحتاج إلى شروحات كثيرة كي يستطيع القارئ العادي أن يهضم بعضاً منها، إن استيراد مثل هذه المناهج كمعيار للتقويم يوقع الباحث في الاستلاب المنهجي الذي يجعله في وقت ما رهين هذه المناهج غثها قبل سمينها.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/24