تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)
دراسة رقم (5)
إن فحص الجذور المعرفية التي أقام عليها الدكتور محمد شحرور منظومته يظل المدخل الأكثر فاعلية لفهم المحاكمات والتصورات التي شيدها في كتابه "الكتاب والقرآن" ويمثل النص الوارد في الصفحة (36) من كتابه الحجر الزاوية الذي تتفرع عنه سائر أطروحاته، مما يجعل مراجعته على نحو مستمر ضرورة منهجية للوقوف على أثر هذا التأسيس في تشكيل الوعي عنده بالخطاب الإلهي.
يقول الدكتور محمد شحرور في كتابه صفحة 36:
[وإن كان هذا الكتاب موحى من الله سبحـانه وتعالى إلى محمد وهو في الـوقت نفسه خاتم الكتب، وإن محمدا خاتم النبيين والرسل فيجب أن يحتوي هذا الكتاب على الخواص التالية:
1ـ إن الله سبحانه وتعالى مطلق وكامل المعرفة ولا يتصف بطابع النسبية وبالتالي فإن كتابه يحمل الطابع المطلق في المحتوي.
ب - بما ان الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يعلم نفسه أو يهدي نفسه وإنما جاء هذا الكتاب هداية للناس وآخر الكتب فوجب أيضأ أن يحمل طابع النسبية في الفهم الإنساني له.
جـ ـ بما أن نمط التفكير الإنساني لا يمكن ان يتم بدون لغة، فيجب أن يصاغ الكتاب بلغة إنسانية أولا، وثانيا أن تكون هذه الصياغة لها طابع خاص وهو أنها تحتوي المطلق الإلهي في المحتوى والنسبية الإنسانية في فهم هذا المحتوى، وهذا ما نعبر عنه بثبات الصيغة اللغوية (النص)، وحركة المحتوى، في هذه الحالة يمكن أن نقول، إن هذا من الله سبحانه وتعالى لأن الإنسان عاجز عن تحقيق هذه الشروط .
فإذا كان هذا الكتاب يحتوي على هذه الخاصية، فعند ذلك تعطى آياته طابع القدسية أو النص المقدس الذي لا يمس ولا يحرف، وانما يجري تأويله على مر العصور والدهور، وفي هذه الحالة فقط لا يعتبر الكتاب تراثا، وانما التراث هو الفهم النسبي للنـاس له في عصـر من العصور، حتى ولوجاء هذ الفهم من عهد صدر الإسلام، أي أن ما حدث في القرن السابع في شبه جزيرة العرب هو تفاعل الناس في ذاك الزمان والمكان مع الكتاب، وهذا التفاعل هو الاحتمال الأول للإسلام (الثمرة الأولى)، وليس الوحيد وليس الأخير، وقد كان هذا التفاعل إنسانيا في محتواه (إسلاميا) قوميا في مظهره، وفي هذه الحالة يدخل هذا التفاعل ضمن التراث ما عدا العبادات والأخلاق والحدود (الصراط المستقيم)، حيث إنها ليست تفاعلا مع العصر، وقد عبر عن الأخلاق والحدود بمظاهر العصر، أما اللباس والطعام والشراب وأساليب الحكم ونمط الحياة فهي تفاعل مع الشروط الموضوعية ، وقد قام النبي بهذا التفاعل الأول، وكان لنا الأسوة الحسنة.]
ارتهان القداسة وشروط التأسيس المنهجي
ينطلق الدكتور محمد شحرور من مقدمة شرطية تجعل إلهية الموحى به (كتاب الله) وخاتميته مرهونتين باستيفاء خصائص محددة، إذ يقيم معادلة ثلاثية الأبعاد تنتهي برسم حدود "النص المقدس"، فالمحتوى ( النص القرآني كخط مرسوم ) يحمل الطابع المطلق لاستناده إلى الذات الإلهية المطلقة، بينما يتسم الفهم الإنساني ( دلالة النص كفهم ) بالطابع النسبي نظراً لقصور الإدراك البشري، ليتجسد هذا التدافع في صياغة لسانية ذات صيغة ثابتة ومحتوى متحرّك، غير أن هذا التنظير يضع نصية القرآن أمام اشتراط معرفي، بحيث تصبح القداسة نتيجة لمعادلة مفترضة.
التماثل البنيوي وإعادة إنتاج الموروث
لننظر الآن في الخاصة الثانية والتي يقول فيها: [بما ان الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يعلم نفسه أو يهدي نفسه وإنما جاء هذا الكتاب هداية للناس وآخر الكتب فوجب أيضأ أن يحمل طابع النسبية في الفهم الإنساني له]
من أين جاء بهذا الوجوب [فوجب أيضأ أن يحمل طابع النسبية في الفهم الإنساني له] وما دلالة هذا الوجوب؟
أوجب الدكتور محمد شحرور أمراً على كتاب الله ودون ذلك لن يحمل هذا الكتاب طابع القداسة ومفاد ذلك أن كتاب الله حين نسمعه ونريد أن نفهمه فإن فهم الناس لهذا الكتاب لا بد أن يكون نسبياً ويعني ذلك أنه لا يمكن أن يكون لكتاب الله فهما واحداً ولابد للفهوم أن تختلف وتتبدل وتتطور من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر ومن سقف معرفي إلى سقف معرفي وهكذا ولو كان لهذا الكتاب فهم ثابت لا يتطور بتطور الزمان والأحداث والسقف المعرفي للناس لما كان من عند الله.
عند النظر فيما يؤصله الدكتور محمد شحرور، يتضح أن مقولته المركزية (ثبات النص وحركة المحتوى) لا تخرج في جوهرها التحليلي عن التقرير التراثي القائل بـ (قطعي الثبوت وظني الدلالة):
ثبات النص / قطعي الثبوت: تطابق في التسليم بيقينية النقل وثبات الرسم القرآني.
حركة المحتوى / ظني الدلالة: يقرّ بتعدد أبعاد الدلالة وتفاضل الفهوم عبر الزمان وتغيّر السقف المعرفي.
والافتراق الحقيقي بين المسارين لا يكمن في البنية المفهومية، بل في سلطة التأويل، فبينما ضبط التراث مفهوم "ظني الدلالة" بأصول الفقه وأئمته، نقل شحرور هذه السلطة إلى أصحاب "السقف المعرفي المعاصر"، منصّباً العلوم الطبيعية الحديثة مرجعية أولى لتفسير النص القرآني.
وعلى ذلك فما الجديد الذي عرفه ولم يعرفه التراث فلا اختلاف بينهما إلا باختلاف اللفظ ولكن المضمون واحد.
آليات المفاهيم ومآلها المعرفي
تكمن خطورة هذا المنهج في استعارة الوعاء المفهومي ذاته الذي أدار به تراث الأمة تنوعها الاجتهادي، وإعادة تغليفه بمصطلحات ثورية من قبيل "حركة المحتوى" و"الثورة على التراث"، إن هذا التجميل المصطلحي يغري المتلقي بقبول تسويغ لغوي يُظهر المنهج بمظهر الفتح العلمي، بينما يؤدي المآل العملي لنسبية الفهم المطلقة إلى سيالة دلالية لا تقف عند حد، تعمل على تفكيك المركزية المرجعية للأمة، مما يشرع الأبواب أمام اجتهادات فكرية ومذهبية تتجاوز التعدد المذهبي الذي عرفه التراث إلى التيه المعرفي والتشتت النفسي.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/24