بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}
إنّه كتاب هداية، وهذا هو دوره الأصيل، الذي يتجلى في تقويم خطى الإنسان وتوجيه إرادته نحو سبيل الرشاد والاستقامة، لتنتظم تفاصيل حياته في شتى ميادين الحياة، ولأنه كتاب هداية فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يتنزل بلسان عربي مبين، يخاطب به جميع الناس، يقدم رسالته وينهض بوظيفته التوجيهية عبر نَظْم قرآني جليل دقيق وميسّر، ولا شك أن اللبنة الأولى التي يُنسج بها هذا النظم الكريم هي الكلمة.
سمات الكلمة القرآنية
تتألق المفردة القرآنية بوصفها اللبنة الأساس في صرح الخطاب الإلهي، وتتسم بخصائص لسانية تتفرد بها عن سائر الكلام البشري، فهي تكتنز في جوفها معنى أصيلاً واحداً، وتتسامى هذه الدلالة الأصيلة فوق تقلبات السياق العابر وتتحرر من قيود القوالب الصرفية، لتبقى دلالتها الأصيلة أمراً ثابتاً، وهذا الثبات الذي يأبى أن يخدش جلال المنهج القرآني القاصد إلى هدايةٍ لا يعتريها التباس، ينفي عن الكلمة القرآنية ظاهرة "المشترك اللفظي" (تعدد المعاني للفظ واحد) التي قد تسيغه لغة البشر، لكنها تتنافى مع البيان القرآني الذي يستهدف الهداية الواضحة والبيان القاطع الذي لا يشوبه اضطراب أو تردد.
لقد اعتاد الناس أن يسمعوا من الباحثين في علوم اللسان أو أن يتعلموا من معاجم وقواميس الكلمات عن احتمال تعدد المعاني للكلمة الواحدة، وهذا الأمر قد نتقبله في الكلمات غير القرآنية وذلك تبعاً لما اصطلح عليه الناس، أما أن يكون للكلمة القرآنية أكثر من دلالة بيانية فذلك أمر لا يستقيم وروح الهداية التي يدعو إليها كتاب الله.
إن التسليم بتعدد دلالات الكلمة القرآنية يُفضي إلى حال من الارتباك الدلالي في الوصول إلى المعنى المراد من الخطاب القرآني، ويُشرع الأبواب أمام رياح الحيرة، ويُدخل المتلقي في متاهات التأويل المتضارب، مما يُذكي نار الاختلاف ويُفتت لحمة الأمة ويشتت رؤيتها، وهي غايةٌ تتناقض كلياً مع مقاصد التنزيل الحكيم الرامية إلى مفهوم الوحدة ووضوح المنهج.
إن الكلمة القرآنية وهي تحمل دلالتها الأصيلة التي لا تنفك عنها في أي حال من الأحوال، هي أيضاً تحمل دالات فرعية متحركة توجه السياق نحو أمر مراد (الامتداد الزمني والمكاني والكمي للكلمة، وامتداد تأثيرها وقوتها) هذه الدلالات المتحركة تتطور بتغير البناء الذي تتصور فيه الكلمة (الصورة الصرفية الاشتقاقية) وبطبيعة نسيج السياق الذي يحملها وعلى ذلك فإن دراسة الكلمة في أبعاد دلالاتها الصرفية يعتبر من العناصر المهمة في فهم أسلوب الخطاب.
وفي هذا المقام فإني أستحضر قول أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر والعميد الأسبق لكلية اللغة العربية بالمنصورة محمد حسن جبل في مصنفه ــ المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن ــ :
[إن التوثق من أن معنى مفردة أو عبارة قرآنية هو كذا، أو ليس كذا هو حقُّ الله تعالى مُنزِل القرآن، وهو حق القرآن، وحق المسلمين، لأن معنى الكلمة القرآنية تعتمد عليه المقررات والأحكام التي أرادها الله تعالى بالتعبير بتلك الكلمات في قرآنه الكريم].
إن كل عمل أو مجهود سبق في مجال التصنيف في مراجع معاني الكلمات، يقدّر ويُشكر ومع تلك الجهود المحمودة فإن أصحاب هذه المصنفات قد أقروا بغياب أمور عن مصنفات من سبقهم لا تقلل من القيمة التي تريد أن تقدمها تلك المصنفات، بل تدفعهم ليخطّوا مصنفات جديدة تقدم ما غاب عن الآخرين، ومن أراد أن يتبين أو يستزيد في البيان حول ذلك، ففي بحثي الذي سأقدمه في قسم الدراسات اللسانية وهو يحمل عنوان [المعاجم عمل مبارك] سيجد ما يوضح هذا الأمر على بيان ميسر.
إن كثيراً من أولئك الأئمة الكرام قد ذهب مذهب التصنيف الذي يجمع كل كلمات اللسان المحكي في فترات كثيرة فجمعوا في تصانيفهم لسان الأمصار والعامة والألفاظ الخاصة، وكانت الكلمات القرآنية ضمن هذا النسج المتراكم، كذلك فإن كثيراً من هذه الكلمات ومن ضمنها كلمات القرآن قد تعرضت لبعض التبدل في دلالتها من خلال تطور استعمالاتها مما سمح لدخول دلالات جديدة ضمتها هذه المصنفات ساهمت في إكساء بعض الكلمات دلالات جديدة لم يعرفها مجتمع زمن التنزيل.
إن أصحاب هذه المصنفات لم ينبهوا لحالة الاختلاف بين الدلالات المحدثة وبين الدلالة التي قدمها كتاب الله فحُمِّلت بعض من كلمات القرآن جراء ذلك دلالات صنعت حالة من التشويش في فهم الكلمة القرآنية.
المرجع البياني للكلمة القرآنية
إن الحاجة إلى صناعة معجم متخصص يُعنى حصراً برصد المفردات القرآنية ينظمها ويؤصل دلالاتها اللسانية ــ بعيداً عن التشويش المعرفي الذي غلفها بغبار التأويلات الدخيلة ــ تمثل ضرورة منهجية ملحة، وذلك لمقاصد جليلة.
أولاً: دحض شبهة الاضطراب في دلالة الكلمة القرآنية، وذلك من خلال إنهاء سطوة المقولة الواهية: بأن القرآن "حمّال أوجه" أو أن آياته ظنية الدلالة.
إن التأصيل الذي يهدف إلى تحرير المعنى الأصيل الثابت سيُعبّد الطريق نحو فهم موحد ورؤية متسقة للنص الإلهي.
ثانياً: تجاوز التوسع الذي صنعته المعاجم في صفحات مصنفاتهم، فمع بالغ التقدير لجهود السلف الصالح في بناء المعاجم، إلا أن هذه الجهود ــ على جلال قدرها ــ قد سمحت لكثير من الدلالات التي عرفها لسان الأمصار المحكي على اتساعها المكاني والزماني أن تشوش على الدلالة الأصيلة للمفردة القرآنية، مما أفسح المجال لولوج دلالات محدثة استُعيرت لاحقاً لتفسير كلام الله بمعانٍ لم يستهدفها النص القرآني وربما تجافي مراده وتتناقض مع غاياته، وكان من نتاج هذا التشويش اختلاف كبير في قراءة النص القرآني شهدته كتب التفسير على عمومها.
إن إكساء المفردة القرآنية ثوباً دلالياً لم ينسجه النص ذاته يُعد ضرباً من العبث، لذا تبرز الضرورة الملحة لترسيخ دلالة مستقرة تصون الأمة من التشرذم، و تحصن الخطاب القرآني من غزو الاختلافات المذهبية والسياسية التي اعتمدت مفهوم تعدد المعاني للفظ الواحد، لذلك عزمت بإذن الله أن أجتهد لأرتب مرجعاً يرصد كلمات كتاب الله لا غير، ويقدم الدلالة اللسانية الأصيلة للكلمة القرآنية، بأسلوب ميسر وواضح، حتى يكون عوناً للدارس في عملية التفاعل مع آيات الله، ومن خلال بيان واضح لدلالة أصول الكلمة القرآنية بياناً لا اضطراب فيه، مستفيداً من المراجع التي اهتمت بتدوين الكلمات وبيان دلالتها، مبتعداً عن أي مؤثر ساهم في زمن ما قليلاً أو كثيراً في تغيير الدلالة البيانية للكلمة القرآنية سواء كانت هذه المؤثرات اجتماعية أم مذهبية بفروعها الفقهية واللسانية والسياسية.
كذلك اجتهدت وبعون الله في هذا العمل على تقديم الدلالة الأصيلة للكلمة القرآنية بعيداً عن أي تشويش قد يصنعه تعدد الدلالات للكلمة الواحدة، وكل ذلك مشفوعاً بتقديم جميع الصيغ الصرفية للجذر الواحد التي استعملها كتاب الله مع استحضار الآيات التي وردت فيها تلك الصيغ، مع ذكر بعض الملاحظات النحوية والصرفية والبلاغية إن اقتضى الأمر.
كيف نصل إلى الدلالة البيانية الأصيلة للمفردة القرآنية؟
للوصول إلى الدلالة البيانية الأصيلة الخالية من شوائب التطور الدلالي العشوائي، ولبلوغ المعنى النقي الذي يقصده النظم القرآني، اعتمدت مسارات استقرائية علمية منضبطة تتدرج وفق الآتي:
أولا: إن لكل كلمة من حيث البناء الصرفي أصل أو كما يسمى جذر الكلمة (إن أصل كلمة استقام هو الجذر قوم) ولكل أصل أو جذر عائلة من الكلمات [الصيغ الاسمية والصيغ الفعلية المشتقة من الجذر] وأساس بناء هذه العائلة والرابط بينها جميعاً هو حروف الجذر الذي تنتمي إليه.
إن كل جذر أو أصل من الكلمات القرآنية يحمل معنى أصيلاً نابضاً في كل صيغة لا ينفك عنها في جميع كلمات عائلته مهما تغيرت الصورة الاشتقاقية، وهذا ما يحصن الكلمة من تسرب الدلالات الدخيلة على الدلالة التي يقدمها كتاب الله.
مثال: الجذر قوم في كتاب الله قوامه (القاف وحرف العلة والميم)
الدلالة البيانية للجذر قوم
نهوض الشيء مع تمكن وثبات، وهذا المعنى استثمره كتاب الله في كل صيغ هذا الجذر.
كل صيغة اشتقت من الجذر قوم تحمل هذه الدلالة، فهي دلالة أصيلة لا تنفك عن كل صيغة من كلمات أسرة هذا الجذر.
كلمات أسرة الجذر قوم في كتاب الله على صيغة الاسم:
[قَوْم ــ قَوَام ــ قَيُّوم ــ قِيَم ــ قَيِّم ــ أَقْوَم ــ قَيِّمَة ــ قِيَامَة ــ مَقَام ــ قَائِم ــ قَائِمَة ــ قَوَّام ــ قِيَام ــ إِقَام ــ مُّقِيم ــ مُقَامَة ــ تَقْوِيم ــ مُسْتَقِيم]
كلمات أسرة الجذر قوم في كتاب الله على صيغة الفعل:
[قَام ــ تَقُم ــ قُم ــ اسْتَقَام ــ يَسْتَقِيم ــ اسْتَقِمْ ــ أَقَام ــ يُقِيم ــ أَقِم]
إننا حين ندرس جميع الآيات التي ضمت الجذر قوم سيظهر لنا المعنى الأصيل الذي يحمله هذا الجذر والذي ستحمله كل الصيغ المشتقة منه، ثم تأتي كل صيغة صرفية لتوجه هذه المعنى الأصيل إلى اتجاه فرعي استجابة لنوع الصيغة الصرفية مع الحفاظ على الدلالة الأصيلة، وهذه الطريقة هي المرجع الأساس في فهم دلالة معظم كلمات كتاب الله وهي التي ستساهم وبقوة في عملية ترجيح فهم دلالات الكلمات التي جاءت مرة (ليس لها إلا صيغة واحدة) في كتاب الله وهي قليلة.
إن استثمار أي دلالة لكلمة احتواها النص القرآني غير الدلالة التي قدمها كتاب الله في سياق النظم الإلهي ومهما كان تاريخ وجودها يُعدُ تدخلاً في المعنى المراد الذي يطلبه كتاب الله.
ثانيا: إن لم نتمكن من الوصول إلى الدلالة اللسانية لبعض الكلمات القرآنية التي تكون إما اسم علم أو من أسماء الذات [أسماء الذات دلالاتها حسية] فإننا نلجأ إلى الموروث الجمعي اللساني الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل، شرط أن ينسجم مع السياق والنسيج الذي وردت فيه هذه المفردة في النص القرآني انسجاماً لا خلل فيه ولا يتعارض مع أي ثابت من ثوابت الدين الكريم، فإن كان للكلمة الواحدة أكثر من دلالة في الموروث الجمعي فإننا نرجح الدلالة التي تتوافق مع السياق ومع المنظومة المنهجية للقرآن وهذا الأمر يسير المورد ولا عناء فيه.
ثالثا: إن لم نتمكن من الوصول إلى الدلالة الأصيلة لكلمة ما في النص القرآني وذلك لعدم وجود عدد من الصيغ يساعد في الوصول إلى هذه الدلالة، فإننا نلجأ إلى المراجع التي تناولت الكلمات ودلالاتها (القواميس ــ المعاجم) فنثبِّت الدلالة التي تنسجم مع السياق والنسيج الذي وردت فيه هذه المفردة في النص القرآني، انسجاماً لا خلل فيه ولا يتعارض مع أي ثابت من ثوابت الدين الكريم، فإن كان هناك أكثر من دلالة للكلمة الواحدة في تلك المراجع فإننا نؤكد على الدلالة التي تتوافق مع السياق ومع المنظومة المنهجية للقرآن وهذا الأمر على ما فيه من جهد هو ميسر وموفق بإذن الله ولا صعوبة أو عائق يمنع تحققه.
وعلى ذلك كل دلالة لكلمة من كتاب الله تخرج عن هذه الضوابط هي دلالة غير مقبولة وهذا الأمر ينطبق على المفردات التي تتحدث عن الله وعن كتابه وعن رسله وعن شرائعه التي تنظم حركة الفرد والمجتمع (مفاهيم الهداية) والتي يحتاجها الإنسان والمجتمع لبناء حاضره ومستقبله في الدنيا والآخرة بناء كريماً أصيلاً عزيزاً.
إن محاولة إقحام دلالات اصطلاحية في فهم النص القرآني بعيداً عن الدلالة التي يقدمها كتاب الله سيُدخلنا في متاهة الدلالات المحدثة وما فيها من اختلاف وتناقض وسيبعدنا ذلك يوماً بعد يوم عن المعنى المراد الذي استهدفه النص القرآني زمن البعثة.
إن المعنى المراد الذي استهدفه النص القرآني زمن البعثة هو المعنى الثابت الذي لا يطاله تحريف ولا تطور، لأن الله عندما نزّل هذه الرسالة ليخاطب بها الناس زمن البعثة، نزّلها ليخاطب بها كل الناس في كل مراحل التاريخ الإنساني ــ وهو القادر على ذلك، وهذا وجه من وجوه عظمة النص القرآني كونه نصاً إلهياً ــ وكما أراد الله أن لا يسمح لأحد أن يعبث في رسم النص القرآني، فإنه أيضاً لم يأذن لأحد أن يعبث في مدلوله ومراده، لأن السماح بالعبث في مدلوله ومراده هو حجب لنور الفهم القويم، الذي أراده الله، وإن التستر خلف شعارات التطور أو التجديد أو المتغيرات الزمانية لتغيير دلالات الكلمة القرآنية هو طمس لمعالم الرسالة الخاتمة التي أرادها الله أن تكون هدى للناس جميعاً، وبياناً ثابتاً لا يعتريه التبديل ولا يطاله التحريف.
هذا جهد أسأل الله به الآخرة، فإن أصبت فبتوفيق من العليم القدير، وإن أخطأت فمن نفسي، وإني أتمنى على كل من يشعر بمسؤولية نحو هذا الدين إن كان عنده نصح لي في ذلك فليعينني فيه، أو كان له رغبة في مشاركةٍ لتصويب هذا الجهد حتى يصل إلى المراد، فلا يبخل علي به، وله الفضل وعند الله الجزاء الأوفى.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ