أزمة التفرق المجتمعي: الجذور الحقيقية والتشخيص القرآني
تتجاذب ظاهرة التفرق والشقاق في المجتمعات الدينية عدة تفسيرات تتراوح بين السياسة وأطماع السلطة، والتيه الفقهي والمعرفي الذي تغذيه المنابر، والمصالح الشخصية المحكومة بالشهوات، وصولاً إلى الانقلاب على القيم الكريمة أو الارتهان لارتباكات تاريخية موروثة تعززها جهود أعداء الإصلاح.
من أكثر القضايا التي تقلق كل حريص، وتحرك في نفسه الألم والحزن هي قضية الاختلاف والتفرق الذي تعيشه الأمة، وبينما نحن نتغنى بالوحدة والتعاون نتجاهل حقيقة قضية الاختلاف والتفرق الذي تعيشه الأمة، ولا شك أن حال التعتيم والإلباس الذي يمارس على هذه القضية يجعل الطريق لإنهائها أمراً عسيراً.
إن هذه الظاهرة لا يمكن أن تزول إلا من خلال الوقوف على أسباب وجودها وتفكيك أركانها واستكشاف بنيتها الفكرية والأخلاقية، وذلك يتطلب شجاعة وصدقاً مع الله ومسؤولية كبيرة.
التحول المجتمعي في ضوء الآية (213) من سورة البقرة
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
تشكل الآية الكريمة منظاراً تحليلياً لفهم حاضر المجتمعات ومستقبلها وذلك من خلال أربع مراحل:
ـــ مرحلة الفطرة والوحدة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} — التكون الأول للمجتمع الانساني على أرضية التآلف والعدل.
ـــ مرحلة الخلل والانقسام: {فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} — ظهور الانحراف ودخول الشقاق في البنية المجتمعية.
ـــ مرحلة البلاغ والإصلاح: { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } — بعث الأنبياء والرسل لإقامة الحجة وتبيان النظام المرجعي الحاكم.
مرحلة الانحياز للحق: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} — تجاوز ثقافة التفرّق بالعودة إلى مفهوم الأمة الجامعة.
القراءة المعرفية لنص الآية
الكتاب: نصوص واضحة ثابتة بينة، يستطيع كل من يسمعها أن يتفاعل معها لا غموض فيها ولا ظنية في الدلالة، تشكل المرجعية الصلبة والآمنة والجامعة للأمة، لأنها ستكون حبل الله الذي يعتصم به الذين آمنوا.
الاختلاف: الانقسام إلى تكتلات وأحزاب متشاكسة تفكك منظومة الأمة الواحدة وتحول دون قيام مجتمع متماسك.
البينات: دلائل الحق البينة التي لا يدع وجودها أي عذر أو حاجة لوساطة تُعقد سبيل الرشد.
البغي: المحرك الحقيقي للتفرق، وهو عبارة عن أهواء وأطماع شخصية ومكاسب سلطوية تـُغلف بشعارات فكرية ودينية لتبرير النزاع.
مسؤولية الأنبياء: البيان القاطع برفض التفرّق باعتباره خروجاً عن الاستقامة وسبيلاً للفشل، والدعوة إلى الاعتصام الجماعي بالحق.
دلالة "الأمة الواحدة" وعلاقتها بمفهوم التوحيد
هذه الآية تؤسس لبناء ثقافة عامة تؤكد على حقيقة تاريخية مجتمعية أصيلة وهي أن الناس أول ما كان أمرهم كانوا أمة واحدة، لذلك حتى تكون قراءة الآية قراءة وعي لا بد أن نفهم ما هو مدلول الأمة الواحدة في الوعي القرآني؟
تُمثل "الأمة الواحدة" التجلي العملي والمجتمعي لمفهوم وحدانية الله، إذ إن أي خلل في وحدة الأمة يعكس خللاً في فهم التوحيد ذاته.
مقومات الأمة الواحدة:
التآلف الشعوري والفكري والسلوكي: توجه الجهود كافة لخير الإنسان وصيانة كرامته.
سيادة العدل والشورى: مناهضة الاستبداد، وحماية الفرد والمجتمع من الظلم، والتكافل في حماية الدماء والأموال.
التفاضل بالتقوى: إلغاء الامتيازات الفئوية والطبقية، والالتفاف حول مرجعية جامعة لا تقبل الاختراق.
إن الانحراف عن مفهوم الأمة الواحدة يعود بالناس إلى التشظي الحزبي الذي ذمّه القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، مؤكداً أن كل فكرة تكرّس الفرقة هي فكرة خارجة عن النسيج الأصيل للدين:
عدم قبول التنازع والتحزب: { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (الروم: 31-32).
البراءة من ثقافة الانقسام: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُم فِي شَيْءٍ} (الأنعام: 159).
حتمية الاعتصام: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103).
لقد أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى مفهوم الأمة الواحدة أرسل الله الرسل ليعيدوا للقيم الطيبة دورها أرسل الله الرسل ليقولوا للناس:
ـــ إن الفرقة ليست من دين الله، ولا اختلاف في دين الله.
ـــ إن المنابر التي تساهم في بث الشقاق وإباحة الاختلاف أو قبوله كأمر واقع لا تمثل منبر الحق وصوت الحق.
ـــ لا ينتفع المجتمع من صلاته ولا من دعائه ما دام يعيش ويستبيح ثقافة الاختلاف والتفرق.
يريد كتاب الله أن يبنى في عقل الانسان والمجتمع المؤمن ثقافة إيمانية نقية لتكون الحصن الذي يلجأ إليه الناس حين تعتريهم قضية ما، والضابط لأي فهم قرآني، وإن أهم تمثيل لمفهوم وحدانية الله على المستوى الجمعي هو وجود الأمة الواحدة وكل خلل في هذا المفهوم هو خلل في مفهوم التوحيد.
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ () وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} سورة الشورى:13ــ 14
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة الأنعام:153
{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} سورة آل عمران:105
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} سورة البقرة:176
{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} سورة آل عمران:19
{وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} الجاثية: 17
أسئلة لتأصيل الوعي واستكمال الدراسة
لتشكيل رؤية علمية وعملية تجاه قضية التفرق والاختلاف، تفرض الدراسة طرح الأسئلة التحليلية التالية:
ــ هل تُعد ظاهرة التفرق والاختلاف حالة صحية إيمانية أم عارضاً مرضياً يُهدد بنية المجتمع الوجودية؟
ــ كيف تتجلى صور هذه الظاهرة في واقعنا المعاصر؟
ــ ما الشواهد التي تؤكد أن "البغي" والأهواء هما السبب الرئيس للتفرق بدلاً من الشبهات الفكرية المجردة؟
ــ ما هي الذرائع التي يتستر بها دعاة الفرقة لتسويق انقسامهم؟
لماذا يصر أصحاب الخطابات المنقسمة على إنكار الجذور النفعية لتفرقهم؟
ــ ما واجـب الفرد والمجتمع المؤمن في مواجهة ثقافة التفرق والاختلاف واستعادة مفهوم الأمة الواحدة؟
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/3