القرآن والتغيير: الأزمة في التلقي لا في النص
كيف نرجو تحوّلاً في نفوسنا ونحن لم نسع إلى التفاعل مع الأداة الحقيقية للتغيير؟ نسلِّم جميعاً بأن كتاب الله هو وسيلة التغيير الكبرى، لكن كيف لطبّه أن يشفي أوجاعنا ونحن نقرأه بذهنية تحصره في حقبة تاريخية مضت، ورجال قد رحلوا ولا ندري أنه يخاطبنا؟ إننا حجبنا أنفسنا عن استشعار خطابه المباشر، ولم نأذن لكلماته أن تلامس القلوب كما خالطت قلوب الصادقين إبان التنزيل.
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد: 11
إن حاجتنا الماسة اليوم هي أن نقرأ كتاب الله كأنما يتنزل علينا الآن — تكليفاً لا مجرد تشريف — قراءةَ صدقٍ وتلاوةَ مسؤولية، بمشاعر مخلصة لا تبتغي إلا وجه الله:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر: 23
واقع الأمة وتزييف أسباب الشتات
إن واقع الأمة الأليم وما تعيشه من ضعف وتشرذم ليس إلا ثمرة طبيعية لإعراض النفوس عن حقيقة التغيير، والأدهى من هذا الضعف هو حالة التسليم المستشرية بين التيارات الفكرية — تقليدية كانت أم حداثية — والتي تنظر إلى الاختلاف والفرقة كأنهما قدر محتوم أو وضع طبيعي مبرر.
لقد أكد القرآن الكريم على أن التفرق شيعاً وأحزاباً مسلك شيطاني مهما تحسّن لبوسه أو تنوعت شعاراته، وبيّن أن جذر هذا التفرق الحقيقي هو "البغي" وفساد السرائر، غير أن الكثير من المنتسبين للفكر والرسالات يجهدون في التغطية على هذا السبب الذاتي، مغلّفين التشرذم بأغطية براقة من الاختلاف الفكري، وطبيعة الاجتهاد، وضنيّة الدلالات أو الثبوت، تهرباً من الاستحقاق الأخلاقي والمسؤولية الجادة.
أزمة نفوس لا أزمة أفكار
حين وجه القرآن الكريم نقده لظاهرة الفرقة، كشف عن جوهرها المتمثل في انحراف النفوس ومرض القلوب الساعية للبغي والتعالي، وعلى ذلك فنحن لا نعيش أزمة فكرية كما يُروج، بل نعيش أزمة أخلاقية ونفسية حادة، ولا مخرج من هذه الفرقة إلا بعودة القلوب إلى الاستقامة ومسيرة الدين الحق.
لقد غاب عن النفوس تشخيص مرضها الأول لأنها أضفت عليه ألقاباً براقة ومصطلحات معاصرة، تزعم أن هذا الشتات إنما هو تنوع فقهي أو سياسي مشروع فرضته مقتضيات الاجتهاد، مما فتح الأبواب لتعدد عبثي في المفاهيم، أسهم في التشويش على مرجعية وحدة النص القرآني، ما جعل الأمة تستبيح حالة التمزق والشتات.
مرتكزات دعوى الاختلاف ونتائجها
بعيداً عن الأسباب الحقيقية المتمثلة في أهواء النفوس، اتكأ أصحاب ظاهرة التفرق على ذرائع ظاهريّة أصلت لحالة التمزق وزينت للناس شتاتهم، وتتلخص هذه الذرائع في ثلاثة محاور رئيسة:
ــ الاختلاف في فهم دلالة النص القرآني.
ــ التباين في مصادر المعرفة وأدلة الاستنباط.
ــ الاختلاف في إدراك أساليب اللسان العربي والدلالات البيانية.
وقد أدت هذه المبررات إلى إيجاد بيئة دينية متصارعة تسوغ صناعة:
· التيارات السياسية: (تشكل الطوائف والملل).
· التيارات الفكرية: (تأسيس المدارس المعرفية والمذاهب الفقهية).
نحو تفكيك الوهم
في سلسلة من الدراسات سنناقش هذه الأسباب وسنتناول كل سبب بحثاً ودراسة، وذلك لتفكيك هذه المبررات الواهية وهدم بنيانها المصطنع، وبيان أنها لم تكن إلا ظنوناً صنعتها القلوب المريضة للتغطية على دائها العضال.
سأبدأ في المقال القادم — بإذن الله — ببحث وتفكيك القضية الأولى: "الاختلاف في فهم دلالة النص القرآني".
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ
2026/9/17