تأسيساً على ما تقرّر في القراءة السابقة حول التمايز المفاهيمي بين «التدبر» بوصفه تكليفاً وجودياً ليصنع انفعالاً جاداً مع الخطاب القرآني، وينتهي إلى حالة الاستجابة السلوكية والالتزام المنهجي، وبين الفهم البياني والدلالي لأسلوب الخطاب، تأتي هذه الدراسة لتستكمل تحرير مفهوم «التدبر» مما شابَهُ من غبش معرفي، وتلبيس منهجي
حادَ به عن وظيفته في الهداية
إن المتأمل في تاريخ التعامل مع النص القرآني يجد نمطاً من التفاعل يستغرق في التفاصيل المسكوت عنها قرآنياً، فرضه الفكر التقليدي تحت مسمى «التفسير»، ثم أعاد إنتاجه الفكر الحداثي تحت عباءة «التدبر». غواية التفاصيل وسلطة الظن
قدّمت جهود منظومة التفسير لتراثنا مادة ثرية، غير أن بعضها تورّط في الولوج إلى منطقة الظن والتخمين عبر اصطناع تفاصيل لقضايا طواها الكتاب المبين لحكمة إلهية، وتجلّى هذا السلوك بالاستيراد غير المدروس لمرويات أهل الكتاب، وإلصاقها بالآيات على أنها شارحة لها، ولم يكن التعاطي الحداثي مع النص القرآني ببعيد عن هذه الآفة، وإن اتخذ لبوساً جديداً، إذ رُوِّج لنمط من التأويل يُقدَّم للناس على أنه «التدبر المطلوب»، انطلاقاً من دوافع متعددة، ما بين استدعاء مقولات التطور الإنساني، أو دعاوى التجديد الفكري، أو الاتكاء غير الناضج على منطق اللسان العربي.
لقد نتج عن تورط التفسير التقليدي باستيراده لعبثية المرويات، ووقوعه في فخ إغراء التفاصيل أمران خطيران:
ــ تضخم المادة التفسيرية حيث غرق الفكر الإسلامي في ركام من الروايات والآراء المتضاربة والتفاصيل التي تحولت مع الزمن إلى اجتهادات أُسبغت عليها قدسية زائفة
ــ سجال من النزاع العقيم ومعه اشتعلت الخصومات المذهبية حول ثبوت هذه التفاصيل وظنيتها، مما أثمر ثقافة دينية تخاصمية، وأسس لموضوع الانقسام الطائفي على حساب مقاصد الهداية ووحدة الأمة.
أما عن تعاطي الحداثة غير المسؤول مع النص القرآني فقد أنتج هذا المسلك اضطراباً فكرياً لا يقل عن ذاك الاضطراب الذي أحدثه الركام التراثي، إذ صوّر القرآن كأنه نسيج من الألغاز والمتاهات الفكرية التي تنتظر «فُتوحات» المعاصرين لفَكّ شفراتها، وهو لا شك مسلك يباعد بين الأمة ومقاصد كتابها، ويُغرق الساحة في دهاليز ظنية، لا يبنى عليها عمل، ولا يرتهن بها إيمان.
وبينما نرى كتب التفسير قد غرقت في استعراض الأقوال الواردة في قصة آدم وزوجه وخروجهما من الجنة، ففتحت الأبواب أمام سيل من الآراء والتصورات، وكثير منها لا علاقة له بمقاصد الكتاب ولا بشروط الهداية، نرى خطاب الحداثة يتمادى حين يصوّر التدبر كأنه سباق لاكتشاف مضامين لم يتنبه لها السابقون، متسائلين بفضول لا طائل منه: هل كان هناك خلق قبل آدم؟ و ما هو مصدر معلومات الملائكة في قراءتها لمستقبل هذا الجديد حين قالوا:
{أتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]
إن المحاكمة المنهجية لا بد أن تطرح الأسئلة الحاسمة التالية:
ــ ما هي القيمة الإيمانية أو التكليفية لمعرفة نوع الشجرة التي أكل منها آدم وزوجه، هذه الشجرة التي طوى الخالق سبحانه اسمها؟
ــ وهل حَجَبَ الله عنا خيراً لأنه لم يحدد نوعها، أم جعلها لغزاً رياضياً لإجهاد العقول؟
ــ وهل يتطرق الإثم إلى المكلف أو ينتقص إيمانه إن جهل هذا التفصيل؟
ــ ثم ما هو المراد من هذا الإصرار على تحويل هذا الاستفهام الملائكي {أتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} إلى «لغز» يتطلب حلولاً لسانية معقدة يوقعنا في تناقضات منهجية حادة؟
إن القول بوجود ألغاز مغلقة في القرآن يصادم نصوصاً دلالية وصفته بأنه آيات بينات وأن آياته مُفصَّلة ميسرة للذكر.
{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [البقرة:99]
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مَّدَّكِرٍ} [القمر: 17]
فكيف يكون الكتاب ميسراً للذكر وآياته بينات وهدى، والبعض يقول: إن فيه ألغازاً مركبة يُرهن مصير المكلف بحل هذه الألغاز، أو تُحتكر معرفتها لجهابذة يمارسون بها رياضة ذهنية تتعالى على العامة وتشوش أفكارهم؟
ثم لو كان اللسان العربي وفنونه مفتاحاً لكشف هذه الألغاز المضمرة، لكان أهل عصر التنزيل وهم أئمة الفصاحة أولى بكشفها وإدراكها.
لا شك أن هذا المسلك يمثل هدراً للطاقات المعرفية، وتعطيلاً للدور الإصلاحي للنص القرآني في مواجهة مظالم الواقع وآلامه، ولا شك أن الشواهد التاريخية والمقاصدية تُجمع على أن العصر النبوي والجيل الأول لم ينشغلوا بمثل هذه الأسئلة، بل سددوا أمرهم نحو البُعد العملي المتمثل في إقامة مجتمع العدل والصلاح، لأن الخوض في مثل هذه التفصيلات والانشغال بمثل هذه الأسئلة لا يخرج عن كونه ترفاً فكرياً وتكهناً غيبياً، يتنافى مع جدية الخطاب القرآني ومسؤولية البناء الحضاري.
إن القرآن الكريم يسلط الضوء على المنهج الأرشد في التعامل مع المعرفة، فكل تفصيل نظري لم يوجه الله إليه هو تفصيل لا يترتب عليه تكليف، والاشتغال به إنما هو عَبَثٌ معرفي، وإننا نرى هذه الرؤية تتجلى في الدرس الحاسم الذي قدمه الحوار الذي وثّقه القرآن بين أصحاب الكهف:
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف:19]
تَظهر الجدية المعرفية هنا في حسم السجال النظري الظني الذي دار بين أصحاب الكهف حول «مدة اللبث» بعبارة واحدة مفصلية {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}، والانتقال الفوري إلى الاشتغال بالواقع والالتفات إلى احتياجاته المباشرة {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ..}
إنها المنهجية التي تميز بين معرفة نظرية ظنية لا تُغني في مسيرة الهداية شيئاً، وبين معرفة واقعية عملية تنظر في وقائع الحياة وتعالج أزمات المجتمع، وتوجه الجهود نحو إقامة القيم الأخلاقية، والنهوض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي
إن آيات الكتاب المبين تهيب بنا أن نتجاوز الفضول المعرفي العقِيم، لنرتفع إلى مستوى المسؤولية الوجودية التي يبني بها الإنسان واقعه، وهو ما سنستفيض في بيانه بإذن الله خلال دراساتنا القادمة
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ