قراءة معرفية في أفق البيان والتلقي
تثيرُ مسألةُ التلقي في النصّ القرآني سؤالاً معرفياً محورياً: هل يُعدّ الكتابُ الخاتم خطاباً معقداً يستغلقُ أسلوبُه ومفرداتُه على العقل البشري، ويحتاج وساطة من فئة اصطُفِيت لاحتكار مفاتيحه؟ أم إنّه خطابٌ كونيٌّ مُعَنْوَنٌ بالهداية للناس كافة، أُنزِل ضمن صياغة إلهيةٍ كفيلةٍ بتفعيل الطاقة الإدراكية لدى الإنسان، ليتفاعل معه فهماً وسلوكاً، ويستقي منه مقومات الوعي بوظيفته الحضارية والوجودية؟
إنّ القول بالغموض المستمر والاستغلاق المعرفي للآيات القرآنية يؤول حتماً إلى نقض الغاية الوجودية الأولى للقرآن، إذ أُنزل ليكون رؤيةً موجهةً تحفز الفكر، وتستثير الفاعلية العقلية للوصول إلى اليقين، وقد انعكس ارتباك هذه الرؤية سلباً على المُنْطَلَقات الفكرية في التاريخ الديني، فأورث تشظياً مذهبياً وطائفياً، وحوّل "الكتاب المبين" في الوجدان الجمعي من منهج هدايةٍ ميسرٍ إلى نصٍّ مغلّفٍ بالضبابية، مِمّا كرّس حالة من "الأمية الوظيفية" تجاه القرآن، تجسدت في الاكتفاء بالأماني والشعارات المستنسخة، اتساقاً مع الوصف القرآني: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]
أفضى هذا الارتباك إلى إفراز سلطةٍ تفسيريةٍ احتكرت أليات الفهم، وحجبت النص عن الممارسة الإنسانية المباشرة، متصالحةً في أحيانٍ كثيرة مع استبداد السلطان، وسطوة المال، وحالة التخلف الاجتماعي، وقد أثمر هذا العزل التاريخي تغريباً للمفاهيم القرآنية عن الفاعلية الإنسانية، ممّا أوجد قطيعةً شعوريةً وفكريةً بين الإنسان وغايات التنزيل، ومن هنا تتأكد الضرورة العلمية لتفكيك هذا الارتباك، وإعادة طرح القضية على طاولة النقد والتحليل كمسؤوليةٍ فرديةٍ وجماعية.
تتأسس البيانية والدلالية للقرآن على قاعدة التدبر الشاملة: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
فالخطاب الإلهي موجهٌ أصالةً إلى الرسول ﷺ وإلى البشرية بأسْرِها، مما يستلزم أصالة أن تتسم مفرداته وتراكيبه بالوضوح والبيان، إذ إن التواصل بين المُرْسِل والمُسْتَقْبِل لا يستقيم منطقاً ولا بياناً إلا بيسر الدلالة وانتفاء الإلغاز، وبما أن المُرْسِل هو الربّ الخالق، العليم، الرحيم، الحكيم، فإن غاية التنزيل اقترنت بلطف الهداية وتيسير أدوات الاستيعاب، ليبني الإنسان حياته وفق سنن العدل والصلاح:
{إِنَّ هـذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ} [الإسراء: 9]
{يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم} [النساء: 26]
تتظافر الشواهد القرآنية لتأكيد ميزة "البيان" والتيسير المعرفي، فالقرآن لم ينزل ليكون لغزاً دينياً، بل صِيغ بأسلوب يمكّن المتقين من الفهم والتفكر والتعقل والتذكر والوصول إلى الموعظة:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17]
{كَذَٰلِكُ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219]
{كَذَٰلِكُ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242]
{كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]
{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]
{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [النور: 34]
هذه المباشرة في طرح هذه الرؤية هي الصخرة التي تتكسر عليها محاولات التزييف، والتحريف اللفظي أو المعنوي الذي حذر منه الحق سبحانه: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ اللَّـهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 79]
ولتقريب عمق هذه الحالة الشاذة من الاغتراب المعرفي، يمكن مقاربتها رمزياً بالحكاية الدلالية للنسر الذي سقطت بيضته في قنّ دجاج.
تقول هذه الحكاية:
إن نسراً كان يسكن في أعلى الجبل...
وفي يوم من الأيام سقطت من عشه بيضة، وتدحرجت في الوادي حتى وصلت إلى قن دجاج...
في هذا القن، رقدت الدجاجة الأم على بيضها ومنها بيضة النسر لمدة كافية لإخراج صغارها للحياة...
خرجت صغار الدجاجة ومعها النسر حديث الولادة.....
بدأ النسر يكبر، وراح يقلد الدجاج في كل شيء، حتى ترسخت فيه طباع الدجاج...
في أحد الأيام حلق نسر كبير فوق قن الدجاج باحثاً عن فريسة يقنصها، فلفت نظره ذاك النسر الشاب، يمشي مشي الدجاج، وصوته كصوت الدجاج.
فنزل إليه مستنكراً حاله، وسأله عما يفعله مع الدجاج؟
فرد النسر الشاب: لأنني دجاجة!!!
قال له النسر الكبير: بل أنت نسر، ابن نسر، ومكانك في القمم لا بين الدجاج.
فرد النسر الشاب: لقد ولدت هنا... ونشأت هنا ... وهذه حياتي ...، وهذا موطني...
أيقن النسر الكبير أن الحوار لن ينفع مع هذه الطبيعة التي غُلِّفت أصالتها بكثير من الأوهام والأفكار الخاطئة...
حلق النسر الكبير في السماء ثم انقضّ على النسر الشاب، فأمسكه ثم ارتفع به إلى الأعلى، ليفلته بين السماء والأرض...
وهنا تحركت غريزة النسر الشاب، فمد جناحيه ليكتشف أنه قادر على الطيران كالنسور...
لقد نشأ النسر الفرخ في بيئةٍ كبّلت طاقاته التي تهيأت له، وجعلته يقلد سلوك الدجاج وصوته، متوهماً أن تلك حدود قدراته ووجوده، ولم يتحرر هذا النسر من أوهامه التي ألزمه حال الواقع بها إلا حين أُلقي في الفضاء الرحب، فثوّرت فطرته الأصيلة، فاكتشف امتلاكه أجنحةً قادرةً على التحليق في الأعالي.
تُمثّل حكاية "النسر المُنْشَأ في قنّ الدجاج" نموذجاً شارحاً للبُنى المعرفية والنفسية التي تحكم حالة الاغتراب في عملية التفاعل مع النص القرآني، إذ لا تقف هذه الأُقصوصة عند حدود التبسيط الرمزي، بل تتجاوزه لِتُجسّد ذلك المفهوم الذي يعبر عن مجموعة العادات والميول وطرق التفكير والإدراك التي يكتسبها الإنسان بشكل لا واعي من بيئته، لتصبح بمثابة بوصلة داخلية توجّه أفعاله واختياراته في الحياة وتُصادر أفق إدراكه لذاته ولإمكانياته الوجودية.
ولم تكن لحظة التحرر - حينَ أُلقي النسر في الفضاء الرحب لتتحرك غريزته الأصيلة - إلا حالة مواجهة مباشرة مع الفضاء المفتوح أدت إلى استجلاء الفطرة المُغيّبة، وإعادة وصل الكائن بفاعليته المحجوبة.
إن العائق الأساس أمام حالة التفاعل الأصيلة مع كتاب الله ليس في غموض النص أو غرابة مفرداته، بل في الحجب والأسوار التي شُيّدت عبر قرون لتعطل فاعلية الإنسان، وتحصر فهمه في قوالب يظن من خلالها أن العلاقة المباشرة بالنص القرآني أمرٌ مستحيل.
أفق الاستجابة وإعادة الاكتشاف
إن النص القرآني يخاطب الفطرة الإنسانية في أنقى صورها، ويستنهض النفوس الباحثة عن الحق والإصلاح، وإن القلوب التي تراكمت عليها أفكار الظلم والإفساد والاختلاف والتمزق، لتصنع أقفالاً تحجبها عن نور الله، فإني على يقين بأن آيات الله البينات وكلمات الله الطيبة ستكون البلسم الذي يعيد هذه القلوب إلى صفائها، وستكون النور الذي يمحو كل لبس وكل وهم، وستكون الروح التي تحرر النفوس من كل خوف، شرط إحياء الإرادة الصادقة في تفاعلها مع كتاب الله بصفته نصاً حياً يُخاطب الوعي والمشاعر والمسؤولية.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء: 174].
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ
2026/8/27