الرسم القرآني
دراسة رقم (2)
تاريخ الرسم القرآني في ضوء المرويات الحديثية:
تستعرض هذه الدراسة مجموعة من المرويات التي تناولت قضية تدوين النص القرآني ورسمه، وهي أحاديث استحسنها نقّاد الحديث وفق مناهجهم في الرواية والضبط، وتهدف إلى استقراء المسار التاريخي لتطور رسم النص القرآني، وتحليل معالم المشروع العثماني، ومناقشة بعض المشكلات النقدية المرتبطة بظواهر الاختلاف في الروايات.
الرواية الأولى
المصدر: الجامع المسند الصحيح / رقم :7191 / المحدث: الإمام البخاري /الراوي: زيد بن ثابت
يقول الراوي:
بَعَثَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أهْلِ اليَمَامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَومَ اليَمَامَةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بقُرَّاءِ القُرْآنِ في المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وإنِّي أرَى أنْ تَأْمُرَ بجَمْعِ القُرْآنِ، قُلتُ: كيفَ أفْعَلُ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟، فَقَالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي في ذلكَ حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ عُمَرَ، ورَأَيْتُ في ذلكَ الذي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبو بَكْرٍ: وإنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، لا نَتَّهِمُكَ قدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ، فَاجْمَعْهُ، قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لو كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ بأَثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا كَلَّفَنِي مِن جَمْعِ القُرْآنِ، قُلتُ: كيفَ تَفْعَلَانِ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قَالَ أبو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، ورَأَيْتُ في ذلكَ الذي رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ، أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ والرِّقَاعِ واللِّخَافِ وصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ في آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ: {لقَدْ جَاءَكُمْ رَسولٌ مِن أنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128]. إلى آخِرِهَا مع خُزَيْمَةَ، أوْ أبِي خُزَيْمَةَ، فألْحَقْتُهَا في سُورَتِهَا، وكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ.
الرواية الثانية:
المصدر: الجامع المسند الصحيح / رقم :4987 /المحدث: الإمام البخاري /الراوي: أنس بن مالك
يقول الراوي:
إنَّ حُذَيْفةَ قدِمَ على عثمانَ بنِ عفَّانَ ، وَكانَ يغازي أَهْلَ الشَّامِ في فتحِ أرمينيةَ وأذربيجانَ معَ أَهْلِ العراقِ ، فرأى حُذَيْفةُ اختلافَهُم في القُرآنِ ، فقالَ لعُثمانَ بنِ عفَّانَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، أدرِكْ هذِهِ الأمَّةَ قبلَ أن يختلِفوا في الكتابِ كما اختلفتِ اليَهودُ والنَّصارَى ، فأرسلَ إلى حفصةَ أن أرسِلي إلينا بالصُّحفِ ننسخُها في المصاحفِ ثمَّ نردُّها إليكِ ، فأرسلَت حفصةُ إلى عثمانَ بنِ عفَّانِ بالصُّحفِ ، فأرسلَ عثمانُ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ وسعيدِ بنِ العاصِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ أنِ انسخوا الصُّحفَ في المصاحفِ ، وقالَ للرَّهطِ القرشيِّينَ الثَّلاثةِ : ما اختلفتُمْ فيهِ أنتُمْ وزيدُ بنُ ثابتٍ فاكتبوهُ بلسانِ قُرَيْشٍ ، فإنَّما نزلَ بلِسانِهِم ، حتَّى نسَخوا الصُّحفَ في المصاحِفِ ، بعثَ عثمانُ إلى كلِّ أفقٍ بمصحَفٍ من تلكَ المصاحفِ الَّتي نسخوا
الرواية الثالثة:
المصدر الجامع المسند الصحيح /رقم :4988/المحدث: الإمام البخاري /الراوي / زيد بن ثابت
يقول الراوي:
فقَدْتُ آيَةً مِنَ الأحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ، قدْ كُنْتُ أسْمَعُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْرَأُ بهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مع خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ الأنْصَارِيِّ: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللَّهَ عليه} فألْحَقْنَاهَا في سُورَتِهَا في المُصْحَفِ
الرواية الرابعة:
المصدر: سنن الترمذي / رقم: 3104 / الراوي: زيد بن ثابت
يقول الراوي:
فقَدتُ آيةً من سورةٍ كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقرَؤها : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوْا مَا عَاهَدُوْا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} [ الأحزاب : 23 ] فالتَمستُها فوجدتُها مع خُزيمةَ بنِ ثابتٍ أو أبي خُزيمةَ فألحقتُها في سورتِها . قال الزهريُّ : فاختَلفوا يومئذٍ في التابوتِ والتَّابوهِ ، فقال القُرَشيُّونَ : التابوتُ وقال زيدٌ : التَّابوهُ ، فرُفِعَ اختلافُهُم إلى عثمانَ فقال : اكتُبوه التابوتَ ، فإنَّهُ نزل بلِسانِ قُرَيشٍ ، قال الزُّهريُّ : فأخبرَني عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كرِهَ لِزيدِ بنِ ثابتٍ نَسْخَ المصاحِفِ ، وقال : يا مَعشرَ المسلمين ، أُعزَلُ عن نَسْخِ كتابةِ المصاحِفِ ، ويَتولَّاها رجلٌ ، واللهِ لقَد أسلمتُ وإنَّهُ لَفي صُلبِ رجلٍ كافرٍ يريدُ زيدَ بنَ ثابتٍ ولذلك قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ : يا أهلَ القُرآنِ اكتُموا المصاحِفَ الَّتي عندَكم وغُلُّوها ، فإنَّ اللهَ يقولُ : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ آل عمران : 161 ] فالقَوْا اللَّهَ بالمصاحفِ ، قال الزهريُّ : فبلَغَني أنَّ ذلكَ كرِهَه مِن مقالةِ ابنِ مسعودٍ رِجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
المراحل التاريخية الثلاث لتدوين القرآن وتطوير رسمه
تؤكد الروايات بمجموعها حقيقة تاريخية مفادها أن تدوين النص القرآني وتطوير رسمه مرَّ بثلاثة مشاريع، اكتملت بها صورة المصحف كما نعهدها اليوم:
المشروع الأول (عهد أبي بكر الصديق):
تجلت غايته في جمع النص القرآني المفرق في أوعية الكتابة وصدر الرجال ضمن صحف موحدة ومضبوطة، معتمدين أقصى معايير التثبت والاستيثاق.
المشروع الثاني (عهد عثمان بن عفان):
استهدف التوحيد المعياري للمصاحف عبر إخراج نسخ معتمدة عن صحف أبي بكر، وإرسالها إلى الأمصار لقطع دابر الاختلاف في القراءة وتوحيد مرجعية النص.
المشروع الثالث (عهد عبد الملك بن مروان بإشراف الحسن البصري):
مثّل مرحلة الضبط الفني والتكميلي؛ حيث تم إدخال نظام النقط والإعجام والتشكيل لتيسير القراءة، والانتقال بالمصحف من دائرة "مصاحف الخلافة والنسخ الرسمية" إلى مجال أوسع وهو "مصاحف العامة والرعية".
قراءة نقدية في تفاصيل المشروع الثاني ومروياته
لا أريد أن أتوسع في دراسة المشروع الثالث لأن تركيز البحث ينصب أساساً على الرسم القرآني في مرحلته الأولى (الرسم العثماني)، وبتحليل الروايات الخاصة بالمشروع الثاني (الرواية الثانية والثالثة والرابعة) تنكشف عدة ملاحظات منهجية:
1 ــ مفهوم الاختلاف ولسان قريش:
تؤكد هذه الروايات وكثير غيرها حقيقة هذا المشروع الذي كان هدفه إنشاء عدة نسخ مضبوطة عن النسخة التي كانت على عهد أبي بكر وكان المراد إرسال هذه النسخ إلى عدد من البلدان لتكون مرجعاً لأي كتابة أو قراءة، ونلاحظ في هذا المشروع قضية قد تناسى دراستها كثير من الباحثين هذه القضية قد طرحتها الرواية الثانية حول مفهوم الاختلاف بين أعضاء اللجنة [وقال عثمان للقرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت - زيد من أهل يثرب- في الشيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا]
إن توجيه الخليفة عثمان ــ وهو على ما هو عليه من موقع ومن مسؤولية ومن كفاءة ـ للجنة النسخ: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش) لم يكن مقصوده إعادة النظر في أصل هيكل الرسم للنص القرآني المعتمد في صحيفة أبي بكر، إذ إن أصل الرسم حُسم سابقاً، وإنما تعلق الأمر بضبط القضايا الفنية التي تساعد القارئ على نطق الألفاظ بما يطابق النطق القرشي المعتمد، فيكون مسعفاً لمن لا يجيد لسان قريش من أهل الأمصار.
ولو تم قبول الاختلاف الذي تحدثت عنه الرواية على أنه اختلاف في طريقة كتابة الرسم القرآني الأول لأدخلنا المشروع الثاني في حالة تجعل منه في موقع المخالفة لأصالة مشروع الخليفة الأول وهذا يناقض ما قدمته الرواية الثانية تماما من كون نسخة أبي بكر هي مرجعاً أصيلاً لا يمكن تجاوزه أو مخالفته.
2 ــ إشكالية أثر "فقد الآية" في مرحلة النسخ:
تطرح الرواية الثالثة تساؤلاً منهجياً حول قول زيد بن ثابت: إنه "فقد آية من الأحزاب" أثناء النسخ العثماني، مع أن القرآن قد جُمع بتمامه في صحف أبي بكر.
تحدثنا الرواية الثالثة على لسان الصحابي زيد وهو أحد أعضاء لجنة المشروع الثاني وذلك أثناء عملية نسخ المصاحف على عهد الخليفة عثمان عن قضية فقدانه لآية من سورة الأحزاب كان قد سمعها من رسول الله والسؤال الذي يُطرح كيف تتحدث هذه الرواية عن نقص في المصحف والكل يعلم أن القرآن كان مجموعاً بتمامه على عهد أبي بكر؟ فإن قبلنا بمثل ما تخبرنا به الرواية عن نقص آية من سورة الأحزاب فإن ذلك من شأنه أولاً أن يشكك في مصداقية النسخة التي كانت على عهد أبي بكر وثانياً يشكك في رجال المشروع الأول على أنهم أهملوا في مشروعهم ـ و زيد بن ثابت كان واحداً منهم ـ وعلى ذلك سيفتح الباب لتوجيه النقد غير المحمود والتشكيك المغرض لكل من القائمين على هذا المشروع وللنص الذي اشتغلوا عليه وهذا أمر لا يقبله إيماننا بكتاب ربنا ولا يرضى به من قام على المشروع الأول توجيهاً وإشرافاً وصنعة ولا يقبله الصحابي زيد بداية أن ينسب إليه مثل هكذا كلام.
3 ــ قضية الاختلاف في رسم "التابوت / التابوه":
أشارت الرواية الرابعة إلى وقوع خلاف بين زيد والرهط القرشيين في كتابة حرف التاء في كلمة (التابوت)، وهل تُرسَم تاءً مبسوطة أم هاءً (تاءً مربوطة)؟
كما وقفت على الرواية الثانية والثالثة بذات الطريقة التي يتعامل فيها المحدثين مع الروايات حيث لم أخترع جديداً في منهج نقد الرواية فإني سأقف على الرواية الرابعة وأخص منها قضية اختلافهم في رسم كلمة التابوت.
إن الرسم القرآني الأول كان قد حسم أمره في مشروع أبي بكر وكان زيد أحد أعضاء لجنته فلِمَ يتكرر النقاش ومن ثم الاختلاف حول قضية الرسم؟ وخاصة أن حرف التاء في نهاية الكلمة لا يشتبه أبداً مع حرف الهاء في نهاية الكلمة عند الرسم وكذلك لا يمكن أن يبرر هذا الاختلاف بحجة طريقة التلاوة، والدارسون لصنعة الخط والرسم والباحثون في تاريخ الكتابات والحروف والقراءات يعرفون ذلك تمام المعرفة فما مبرر الاختلاف إذاً؟
يقول المقرئ محمد بن علي الحداد (1) في تعليقه على عملية نسخ المصحف في عهد عثمان: [وإنما أَمَرَ عثمانُ زيداً ومن ضمهم إليه أن ينسخوا من المصحف ــ مع أنهم كانوا حفظةــ لتكون مصاحفهم مستندة إلى أصل أبي بكر المستند إلى أصل النبي المكتوب بين يديه بأمره]. كتاب الأعمال الكاملة
إن القبول بوقوع مثل هذا الخلاف الهيكلي يفتح باب التشكيك في إتقان المشروع الأول وأصالة معاييره، فمن المؤكد أن مثل هذا الاختلاف لم يكن موجوداً على الإطلاق، وإنما هو وهم من بعض الرواة المتأخرين انطلاقاً مما نسب إلى الزهري: [فاختَلفوا يومئذٍ في التابوتِ والتَّابوهِ ]، فهذه الزيادة حول قضية الاختلاف في رسم كلمة التابوت لم ترد في الرواية الثانية الموجودة في صحيح البخاري ولا يعقل ولا يقبل أبداً أن يكون مثل هذا الاختلاف، وإلا كما قلت سابقاً فنحن بهذا نطعن بما قدمه المشروع الأول فننسب إليه النقص وعدم الإتقان وسينسحب سوء الصنيع هذا إلى كل من ساهم في المشروع الأول، وبذلك سيُفتح الباب لتوجيه عديد الاتهامات لكتاب الله.
2026/8/6
.........................................................................................................................
(1) محمد بن علي الحداد (ت 1939 م) أحد أعلام القراءات وكان شيخ القراء في الديار المصرية