المعاجم االعربية عمل مبارك
دراسة في المناهج المعجمية
تُعدّ المعاجم اللغوية من أهم المصادر التي اضطلعت بمهمة حفظ اللغة ونقل موروثها اللفظي والدلالي من جيل إلى جيل، إذ لم يقتصر دورها على جمع مفردات اللسان العربي وتسجيلها، وإنما تجاوز ذلك إلى بيان معاني الألفاظ، والكشف عن تطورها الدلالي، وتحديد استعمالاتها في سياقاتها المختلفة، ورصد ما يطرأ عليها من معانٍ حقيقية ومجازية واصطلاحية. كما أسهمت هذه المعاجم في توثيق الأصول الاشتقاقية للكلمات، وبيان أبنيتها الصرفية وتصريفاتها، والكشف عن الصلات التي تنتظم أفراد المادة اللغوية الواحدة.
ومن ثم، فإن المعجم حين يتصدى لبيان معنى لفظ من الألفاظ لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد سجل لمعنى مفرد، وإنما بوصفه حصيلةً لجهد يرصد وجوه استعمال ذلك اللفظ في سياقات متعددة، ويستقرئ ما ارتبط به من دلالات واستعمالات في كلام العرب. ومن هذه الزاوية، تغدو المعاجم جزءًا أصيلاً من الذاكرة العلمية والثقافية للأمة، ووعاءً من أوعية تراثها اللساني الذي حفظ جانباً مهماً من طرائق التعبير ومفاهيمها ودلالاتها.
وتزداد أهمية هذه المسألة حين يتعلق البحث بألفاظ القرآن الكريم، ذلك أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وأن فهم دلالات ألفاظه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفهم الاستعمال العربي الذي تشكلت في إطاره تلك الألفاظ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة المعاجم التي عُنيت بجمع ألفاظ العربية، ولا سيما ما اتصل منها بألفاظ بيئة التنزيل، قراءةً واعيةً بمناهج أصحابها وأصولهم في الجمع والتصنيف والترتيب والاستدلال.
تستهدف هذه الدراسة التعريف بعدد من أشهر المعاجم العربية، وتسعى إلى تقديم تصور موجز عن مناهجها وطرائق أصحابها في التعامل مع المادة اللغوية، حتى تتكون لدى الباحث ثقافة معجمية تعينه على التعامل مع هذه المصادر بوعي نقدي ومنهجي، بعيداً عن الجمود أمام ما تقدمه من آراء أو دلالات.
إن المعرفة بتاريخ المعجم ومنهج مؤلفه ليست أمراً هامشياً في البحث اللساني، بل هي من الأدوات التي تساعد الباحث على تقدير المادة التي بين يديه، وتمييز ما يرتبط بالمنهج الجمعي عما يرتبط بالتحليل الدلالي أو الاشتقاقي، وإدراك الأسباب التي جعلت كل معجم يتميز عن غيره، سواء في ترتيب مواده، أو في مصادره، أو في طريقة استشهاده، أو في نظرته إلى العلاقة بين الأصول والفروع، أو في تعامله مع تعدد الدلالة.
ومن ثم، فإن تكوين هذه الرؤية المنهجية يمثل خطوة أساسية في سبيل الوصول إلى نتائج أكثر دقة في البحث في الدلالة القرآنية، إذ إن الكشف عن الدلالات البيانية لألفاظ القرآن لا يستقيم بمجرد نقل الأقوال من المعاجم، وإنما يحتاج إلى وعي بمصادر هذه الأقوال ومناهج أصحابها، وإلى قدرة على المقارنة بينها وتحليلها في ضوء السياق القرآني والاستعمال العربي.
وعلى هذا الأساس، تأتي دراسة المعاجم اللغوية بوصفها مدخلاً إلى بناء وعي علمي يعين الباحث على الإفادة من التراث المعجمي دون أن تتحول الإفادة منه إلى مجرد تسليم آلي بما ورد فيه، كما يعينه على التعامل مع اختلاف المناهج وتعدد الآراء على قدر من المرونة العلمية والوعي النقدي.
وفيما يأتي عرض لأبرز المراجع التي عُنيت بجمع ألفاظ العربية، مرتبةً تبعاً لتسلسلها التاريخي، مع بيان أبرز ملامح منهج كل منها.
أولاً: تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري
أبو منصور محمد بن أحمد الهروي، المعروف بالأزهري، أحد أعلام العربية في القرن الرابع الهجري. وُلد بخراسان، وانتقل إلى بغداد، وعاش في العصر العباسي، وتوفي سنة 370هـ.
يمثل «تهذيب اللغة» واحداً من أهم المعاجم العربية القديمة، وقد ارتبط مشروع الأزهري فيه بمحاولة جمع العربية وتوثيقها وتنقيتها مما دخل عليها من التصحيف والتحريف أو مما لم تثبت نسبته إلى كلام العرب.
ويكشف الأزهري عن تصوره لأهمية اللسان العربي في فهم القرآن الكريم، فيقول:
«نزلَ القرآنُ الكريمُ والمخاطَبون بِهِ قومٌ عَرَب، أولو بيانٍ فاضلٍ، وفهمٍ بارع، أنزلهُ جلّ ذكره بلسانهم، وَصِيغَة كَلَامهم الَّذِي نشئوا عَلَيْهِ، وجُبِلوا على النُّطْق بِهِ، فتدَرّبوا بِهِ يعْرفُونَ وُجُوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه...».
ويظهر من هذا النص أن الأزهري ينطلق من تصور أساسه أن القرآن الكريم نزل بلسان العرب، وأن فهم خطابه مرتبط بفهم ذلك اللسان وطرائق استعماله.
وقد بيّن الأزهري الدوافع التي حملته على تأليف كتابه، ومن بينها ما لاحظه في بعض المصنفات السابقة من اضطراب في المادة اللغوية، أو تصحيف، أو إدخال ألفاظ لم يثبت عنده صحة نسبتها إلى العرب. يقول:
«وَقد دَعَاني إِلَى مَا جمعتُ فِي هَذَا الْكتاب من لُغَات الْعَرَب وألفاظها...».
ثم يصرح بموقفه من بعض المصنفات السابقة، ولا سيما «كتاب العين» للخليل بن أحمد، وما أُلّف بعده، إذ يقول:
«أَنِّي قَرَأت كتبا تصدَّى مؤلفوها لتَحْصِيل لُغَات الْعَرَب فِيهَا، مثل كتاب (الْعين) الْمَنْسُوب إِلَى الْخَلِيل... وَقد أخلَّ بهَا مَا أَنا ذاكره من دَخَلِها وعَوارها...».
ويؤكد الأزهري أن غايته لم تكن مجرد الجمع، وإنما التهذيب والتحقيق والتمييز بين الصحيح والدخيل، وهو ما يتضح في قوله:
«وَكَانَ من النَّصِيحَة الَّتِي التزمتُها توخِّياً للمثوبة من الله عَلَيْهَا، أَن أنصحَ عَن لُغَة الْعَرَب ولسانها العربيّ الَّذِي نزل بِهِ الْكتاب... وَأَن أهذّبها بجهدي غَايَة التَّهْذِيب».
ومن هنا جاءت تسمية الكتاب بـ«تهذيب اللغة»، إذ يصرح الأزهري بأن من أهدافه تنقية المادة اللغوية مما دخل إليها من التصحيف والخطأ، وعدم الإكثار من الغريب الذي لا يقوم عليه دليل موثوق.
وتكشف هذه المقدمة عن ملمح منهجي مهم في عمل الأزهري، يتمثل في الجمع بين الاستقصاء اللغوي والتحقيق النقدي للمادة، وهو ما يجعل «تهذيب اللغة» مصدرا مهماً للباحث في ألفاظ العربية، ولا سيما عند دراسة الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم.
ثانياً: مقاييس اللغة لابن فارس
هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أحد أعلام اللغة والأدب، عاش في القرن الرابع الهجري، وتوفي سنة 395هـ. ويعد «معجم مقاييس اللغة» من أشهر مصنفاته وأبرز الكتب التي قامت على فكرة ردّ الفروع اللغوية إلى أصول جامعة.
وقد رتب ابن فارس كتابه على حروف الهجاء، وجعل أساس منهجه البحث عن الأصول الدلالية للمواد اللغوية، ومحاولة رد الاستعمالات المختلفة إلى أصول مشتركة.
ويقرر ابن فارس في مقدمة كتابه أن للغة العربية مقاييس وأصولا تتفرع عنها الفروع، فيقول:
«إِنَّ لِلُغَةِ الْعَرَبِ مَقَايِيسَ صَحِيحَةً، وَأُصُولًا تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ...».
وتقوم أهمية منهجه على البحث عن الرابط الدلالي الذي يجمع أفراد المادة الواحدة، بدل الاقتصار على تسجيل المعاني المتفرقة لكل لفظ.
كما يوضح ابن فارس مصادره الأساسية في بناء معجمه، فيذكر من بينها كتاب العين للخليل بن أحمد، ومصنفات أبي عبيد، وكتاب الجمهرة لابن دريد، وغيرها من أمهات كتب اللغة، ويقول:
«فَهَذِهِ الْكُتُبُ الْخَمْسَةُ مُعْتَمَدُنَا فِيمَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ...».
ومن ثم يمثل «مقاييس اللغة» اتجاهاً معجمياً يقوم على التأصيل الدلالي للمادة اللغوية، وهو منهج له أهمية خاصة في الدراسات التي تبحث عن العلاقة بين المعاني المختلفة لألفاظ القرآن الكريم.
ثالثاً: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد، المعروف بالراغب الأصفهاني، من علماء اللغة والأدب، توفي سنة 502هـ. وقد خصص كتابه «مفردات ألفاظ القرآن» لدراسة الألفاظ القرآنية، وهو ما منحه مكانة خاصة في الدراسات التي تتصل بالدلالة القرآنية.
وينطلق الراغب من أهمية الألفاظ القرآنية باعتبارها تمثل جانباً أصيلاً من اللسان العربي، ويقول:
«فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته».
وقد اتخذ الراغب في كتابه منهجاً يقوم، في عدد كبير من مواده، على البدء ببيان المعنى الأصلي أو الحقيقي للمادة، ثم الانتقال إلى مشتقاتها واستعمالاتها، ثم بيان المعاني المجازية وما يرتبط بها من صلات بالمعنى الأصلي.
ويمثل هذا المنهج محاولة لربط الدلالات المختلفة للمادة الواحدة ضمن شبكة دلالية متماسكة، وهو ما يجعل «مفردات ألفاظ القرآن» من المصادر المهمة في دراسة العلاقات الدلالية بين الألفاظ القرآنية.
ومع ذلك، فقد وُجهت إلى الكتاب بعض الملاحظات، ومن أبرزها ما يتعلق بإغفال الراغب لبعض المواد القرآنية وعدم حديثه عنها، مع ذكره لبعض المواد التي لم ترد في القرآن الكريم.
وقد أشار السمين الحلبي (ت 756 هـ) في مقدمة كتابه عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، إلى ذلك بقوله إن الراغب:
«قد أغفل في كتابه ألفاظًا كثيرة لم يتكلم عليها، ولا أشار في تصنيفه إليها، مع شدة الحاجة إلى معرفتها وشرح معناها ولغتها».
ومن المواد التي ذُكرت في هذا السياق:
- مادة غ وط، وهي في قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ.
- مادة: ز ب ن، وهي في قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
- ومادة: ق ر ش، وهي في قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.
- ومادة: ك ل ح، وهي في قوله تعالى: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ.
- ومادة: قدو، وهي في قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
- ومادة: نضخ، وهي في قوله تعالى: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
وتكشف هذه الملاحظة عن ضرورة التمييز بين أهمية المعجم ومكانته العلمية من جهة، وبين كونه مستوعباً لجميع ألفاظ القرآن من جهة أخرى، فالقيمة العلمية للمصدر لا تعني بالضرورة استيعابه لكل مادة يمكن أن يحتاج إليها الباحث.
رابعاً: لسان العرب لابن منظور
محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأنصاري، (630 هـ ــ 711 هـ)، كان أديباً ومؤرخاً وعالماً بالعربية.
يعد «لسان العرب» من أوسع المعاجم العربية وأشهرها، وقد اعتمد ابن منظور في بنائه على عدد من أمهات كتب العربية، فجمع مادتها في مصنف واحد، مما أكسب الكتاب مكانة كبيرة في الدراسات اللغوية.
ويصرح ابن منظور في مقدمته بالدافع الذي حمله على تأليف كتابه، إذ يقول:
«وَإِنِّي لم أزل مشغوفًا بمطالعات كتب اللُّغَات والاطلاع على تصانيفها... وَرَأَيْت علماءها بَين رجلَيْنِ: من أحسن جمعه فَإِنَّهُ لم يحسن وَضعه، وَ من أَجَاد وَضعه فَإِنَّهُ لم يُجد جمعه...».
ثم يثني على تهذيب اللغة للأزهري والمحكم لابن سيده، ويصفهما بأنهما من أمهات كتب اللغة، لكنه يرى أن صعوبة الوصول إلى مادتهما تعود إلى طريقة الترتيب والعرض.
ويقول:
«غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك، وكأنَّ وَاضعه شرع للنَّاس موردا عذبا وجلاهم عَنهُ، وارتاد لَهُم مرعًى مربعًا ومنعهم مِنْهُ؛ قد أخّر وقدّم، وَقصد أَن يُعرب فأعجم ... فَضَاعَ الْمَطْلُوب، فأهمل النَّاس أَمرهمَا، وَانْصَرفُوا عَنْهُمَا، وكادت الْبِلَاد لعدم الإقبال عَلَيْهِمَا أَن تَخْلُو مِنْهُمَا. وَلَيْسَ لذَلِك سَبَب إِلَّا سوء التَّرْتِيب، وتخليط التَّفْصِيل والتبويب».
ومن هنا يمكن فهم مشروع ابن منظور بوصفه مشروعاً جمعياً توثيقياً يسعى إلى استيعاب مادة المعاجم السابقة وإعادة تنظيمها في مصنف واحد أكثر سهولة في الرجوع إليه.
وتظهر أهمية «لسان العرب» للباحث في القرآن كثرة مواده وشواهده وإحالته إلى مصادر لغوية متعددة، إلا أن طبيعة الكتاب الجمعية تجعل من الضروري عند الإفادة منه معرفة المصدر الذي نُقلت عنه المادة، وعدم التعامل مع جميع الأقوال الواردة فيه على أنها صادرة بالضرورة عن رؤية ابن منظور الخاصة.
خامساً: القاموس المحيط للفيروزآبادي
هو أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي، (729هـ ــ 817هـ)
، ويعد «القاموس المحيط» من أشهر المعاجم العربية وأكثرها ذيوعاً وتأثيراً في الدرس اللساني.
والقاموس في الأصل يدل على البحر العظيم أو معظم البحر، وقد اختار الفيروزآبادي هذا الاسم لمصنفه.
ويبين الفيروزآبادي في مقدمته الدافع إلى تأليف كتابه، إذ يشير إلى مكانة صحاح الجوهري وشيوعه بين الناس ـ تَاجُ اَلْلُغَةِ وَصِحَاحُ اَلْعَرَبِيَّةِ ــ هو معجم للمفردات العربية ألفه الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ت 393 هـ. ويطلق على هذا المعجم اختصاراً اسم الصِّحاح أو الصِّحاح في اللغة، وهو من أقدم ما صُنف في العربية من معاجم الألفاظ مرتب على الأبواب والفصول ــ، لكن الفيروزآبادي يرى أن صحاح الجوهري قد ترك جانباً كبيراً من اللغة، فيقول:
«وَلَمَّا رَأَيْتُ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَى "صِحَاحِ" الْجَوْهَرِيِّ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ فَاتَهُ نِصْفُ اللُّغَةِ أَوْ أَكْثَرُ... أَرَدْتُ أَنْ يَظْهَرَ لِلنَّاظِرِ بَادِئَ بَدْءٍ فَضْلُ كِتَابِي هَذَا عَلَيْهِ».
ثم يقول: «وَاخْتَصَصْتُ كِتَابَ الْجَوْهَرِيِّ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، مَعَ مَا فِي غَالِبِهَا مِنَ الْأَوْهَامِ الْوَاضِحَةِ، وَالْأَغْلَاطِ الْفَاضِحَةِ، لِتَدَاوُلِهِ وَاشْتِهَارِهِ بِخُصُوصِهِ، وَاعْتِمَادِ الْمُدَرِّسِينَ عَلَى نُقُولِهِ وَنُصُوصِهِ».
كما يوضح أنه تعقب بعض المواضع التي رأى فيها مخالفة للصواب في كتاب الجوهري، لا بقصد الانتقاص منه، وإنما رغبة في استجلاء الصواب والتحرز من الخطأ.
وفي هذا يقول: «ثُمَّ إِنِّي نَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ رَكِبَ فِيهَا الْجَوْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافَ الصَّوَابِ، غَيْرَ طَاعِنٍ فِيهِ، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيدًا لَهُ، وَإِزْرَاءً عَلَيْهِ، وَغَضًّا مِنْهُ، بَلِ اسْتِيضَاحًا لِلصَّوَابِ»
ويكشف ذلك عن طبيعة منهج الفيروزآبادي الذي جمع بين الاختصار والاستيعاب النسبي، والاستفادة من المصادر السابقة، والتعقيب على بعضها.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن شهرة «القاموس المحيط» وانتشاره الواسع لا ينبغي أن تكون سبباً في إغفال تاريخ المادة التي ينقلها أو مصادرها، إذ إن الباحث المتخصص يحتاج إلى العودة إلى الأصول عند اختلاف الروايات أو تعدد الأقوال.
سادسا: المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم
أنجز «المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم» في العصر الحديث بإشراف أحمد مختار عمر وفريق من الباحثين، وصدر سنة 1423هـ، ويمثل مرحلة مختلفة في تاريخ العمل المعجمي، إذ استفاد من منجزات المعاجم التراثية، وأضاف إليها أدوات ومفاهيم من الدرس اللغوي الحديث.
وقد حدد القائمون على العمل جملة من الأهداف، من أبرزها مراجعة الأعمال المعجمية السابقة، والتحقق من المعلومات قبل إثباتها، وتجنب تثبيت ما لم يثبت لديهم، مع التأكيد على أهمية المنهج النقدي في التعامل مع المادة التراثية.
ويقول القائمون عليه:
«تلافي عيوب الأعمال المعجمية السابقة لهذا العمل، والاستيثاق من أي معلومة ترد فيها قبل إثباتها، والأخذ بمبدأ الشك تجنباً لتثبيت الخطأ...».
كما يؤكدون أنهم لم يتعاملوا مع المصادر التراثية على أنها مادة لا تقبل المراجعة، وإنما قاموا بتمحيصها ونقدها، يقولون:
«فكنا ننخلها بدقة الباحث، ونزنها بميزان الخبير، وننحّي منها ما نشك في ثبوته، أو نقطع بعدم صحته».
ومن أبرز السمات المنهجية لهذا المعجم اهتمامه بتحليل اللفظ القرآني في ضوء مجموعة من المستويات اللغوية، ومنها الجذر، والوزن الصرفي، والنوع النحوي، والسياق، والمصاحبات اللفظية.
كما أولى المعجم عناية خاصة بتحديد جذر الكلمة ووزنها، انطلاقاً من الطبيعة الاشتقاقية للعربية، وما تؤديه الأبنية الصرفية من وظيفة في تحديد المعاني وتوجيهها.
«وبهذا تنوعت المعلومات اللغوية عن كل كلمة قرآنية لتوفِّي الجوانب الآتية
جذر الكلمة: ونعني بجذر الكلمة حروفها الأصلية التي تحمل معناها الأساسي، والتي لا تغيب في جميع مشتقات الكلمة أو تصريفاتها.
وزن الكلمة: جاء حرصنا على تحديد وزن الكلمة من الحقيقة المعروفة، أن اللغة العربية لغة اشتقاقية، وأن مشتقاتها القياسية ذات أوزان محدّدة، وأن لهذه الأوزان أثراً كبيراً في تحديد معاني الكلمات، وفى المساعدة على فهم النص القرآني من ناحية، والاستخدام اللغوي العام من ناحية أخرى».
وبذلك يمثل هذا المعجم انتقالاً من مجرد جمع المادة اللغوية إلى محاولة تحليلها وتنظيمها في إطار منهجي متعدد المستويات.
سابعا: المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم لمحمد حسن جبل
يُعد «المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم» لمحمد حسن حسن جبل (1350 - 1436 هـ) من المشاريع المعجمية الحديثة التي اتخذت من الاشتقاق محوراً لتفسير الدلالة القرآنية. ومحمد حسن جبل أستاذ في أصول اللغة بجامعة الأزهر، وعميد سابق لكلية اللغة العربية بالمنصورة، وقد امتد اهتمامه بمعاني ألفاظ القرآن الكريم عقودا من البحث والتأمل.
يقول صاحب كتاب المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن:
«لقد شُغلت بمعاني ألفاظ القرآن الكريم منذ ستينيات القرن الماضي......»
ويصرح المؤلف بأن الغاية الأساسية من مشروعه تتمثل في ضبط عملية تحديد المعاني، والحد من التعدد غير المنضبط في تفسير المفردة القرآنية، وذلك من خلال ما سماه «المعنى المحوري».
يقول:
«كان الهدف هو ضبط عملية تحديد المعاني، وإخراجها من دوامة الأقوال الكثيرة في معنى كل مفردة قرآنية... وذلك من خلال ربط مفردات كل ترتيب بمعنى عام واحد، سميته "المعنى المحوري لمفردات التركيب"».
ويقوم منهج المعجم على افتراض أن كل أسرة من الكلمات ذات الأصول المشتركة تنتظمها دلالة محورية جامعة، يمكن الاستناد إليها في تفسير مختلف الاستعمالات المنتمية إلى تلك الأسرة.
ويشرح المؤلف مفهومه لأسرة الكلمات من خلال التمثيل بمادة «كتب»، التي تندرج فيها مجموعة من الأفعال والمشتقات.
«- والذي يقضي بأن أية مجموعة من الكلمات تُعَدُّ من أسرةٍ كلمية واحدة، أي من تركيب واحد، هو أن تكون كلٌّ من تلك الكلمات مكونة من أحرف أصلية بعينها مرتبةً ترتيبًا معينًا. فمثلًا تركيب (كتب) مكون من (ك+ ت+ ب) بهذا الترتيب -بصرف النظر عن الأحرف الزائدة التي قد تتخلل أو تنضمّ إلى هذه الأحرف الثلاثة. فتركيب (كتب) هذا يضم الأفعال: كتب، كتَّب، أكتبَ، كاتبَ، تكاتبَ، تكتَّبَ، انكتبَ، استكتبَ ...، وكلٌّ من هذه الأفعال له مصدر أو مصادر، واسما مرةٍ وهيأةٍ وأسماء فاعل، ومفعول، وتفضيل، ومكانٍ وزمان، وآلة، وصفةٌ مشبهة، وصفاتُ مبالغة، وأفعالُ تعجُّب وكل هذه الكلمات هي من مفردات تركيب كتب»
يؤكد المؤلف أن المعنى المحوري يمثل لديه معياراً يمكن من خلاله تقويم الأقوال التفسيرية المختلفة، واختيار ما ينسجم مع الدلالة الجامعة للمادة، واستبعاد ما لا ينسجم معها، وفي هذا يقول:
«إن المعنى المحوري للتركيب إذا أُحكم استخلاصه، فإنه يمكننا من إحكام تفسيرنا لمفردات التركيب في سياقاتها القرآنية، ويمكننا كذلك من تقويم التفسيرات المَرْويّة للفظ، لنختار منها ما نطمئن إلى صحته، ونستبعد ما يتجافى مع المعنى المحوري. وهذه جدوى بالغة القيمة، لأن كثيرا من الألفاظ رُويت لها تفسيرات مختلفة، ولا يسعنا الاختيار العشوائي، وبخاصة إذا كان السياق يسمح بأكثر من تفسير وهذا المعنى المحوري هو أهم مستويات التأصيل هنا».
ولإسناد هذا المنهج، بيّن أن هذه الطريقة ليست بجديدة على مسيرة الدراسات اللسانية وفي هذا يقول:
«وقد ثبت لمؤلف هذا المعجم ثبوتًا علميًّا صحة هذا الذي تبينه عدد من أئمتنا، كما ثبت له أن هذا المعنى المحوري الجامع يكون معنى واحدًا لا يتعدى وكان ذلك من خلال معالجةٍ تطبيقية لما يقرب من 2300 تركيب شملت جميع كلمات كل تركيب. [الإمام ابن فارس كان كثيرًا ما يَرُدُّ استعمالات التركيب الواحد إلى معانٍ متعددة، والإمام الراغب الأصفهاني كان عملُه يتيح ذلك التعدد.]»
اعتمد المؤلف للوصول إلى المعنى المحوري الجامع على تتبع الاستعمالات العربية في عصر الاحتجاج، والاستفادة من الشواهد التي أثبتتها المعاجم القديمة، مع عناية خاصة بالاستعمالات الحسية، باعتبارها، في تصوره، أكثر وضوحا وأبعد عن الاحتمال والتجريد.
ويقول في بيان ذلك:
«والسبيل إلى تحرير المعنى الدقيق لكل مفردة من المفردات القرآنية بالاشتقاق تخطِّيا للخلاف اللفظي هو إيجاد ضابط، أي معيار، يوزن به ويُطمأن إلى سلامة تحديد معاني المفردات القرآنية ومن البديهي أن يكون ذلك المعيار مستمَدّا من لغة العرب، أي من كلمات اللغة العربية وعباراتها».
«وطبقتُ ذلك على كل ما ورد من مفردات التركيب في القرآن الكريم، مبينا وجه انتمائه إلى ذلك المعنى العام
وبهذا الاستشعار لقيمة المعنى المحوري، ولأن مجال تطبيقه هنا هو مفردات القرآن الكريم، فقد حشدتُ لصياغته كلَّ الخبرة والصبر، وراجعتُ -عند التطبيق على المفردات القرآنية- أقوال المفسرين لأميز ما ينبغي الأخذ به في تفسير المفردات القرآنية في سياقها؛ فآخذ به، أما ما ينبغي أن يُستبعد؛ فلا أشغل القارئ به، وما كان له وجهٌ ضعيف فإني أذكره مؤخَّرًا أو أُغفله.
إن التوثق من أن معنى مفردة أو عبارة قرآنية هو كذا، أو ليس كذا = هو حقُّ الله تعالى مُنزِل القرآن، وهو حق القرآن، وحق المسلمين، وحق اللغة العربية أيضًا، لأن معنى الكلمة القرآنية تعتمد عليه المقررات والأحكام العَقدية والتشريعية التي أرادها الله تعالى بالتعبير بتلك المفردات أو الكلمات العربية في قرآنه الكريم».
نحو وعي منهجي في التعامل مع المعاجم
يتضح من استعراض هذه النماذج أن المعجم العربي لم يكن نتاج منهج واحد، وإنما نشأ وتطور من خلال اتجاهات متعددة، فبعض المعاجم غلب عليها الجمع والاستقصاء، وبعضها اتجه إلى تنقية المادة وتحقيقها، وبعضها جعل محور عمله رد الفروع إلى الأصول الدلالية، في حين اتجهت معاجم أخرى إلى تخصيص المادة القرآنية، أو إلى الإفادة من المناهج اللسانية، أو إلى بناء تصور اشتقاقي يقوم على المعنى المحوري.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/10/8