بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ } [فصلت: 44].
دراسة لسانية في البعد الدلالي لمفهومي (عربي ــ أعجمي) في الخطاب القرآني
استكمالًا للمشروع اللساني في قراءة دلالات اللفظ القرآني، يريد هذا البحث تأصيل مفهومين محوريين يُشكلان لبنة الأساس في البناء المعرفي للقرآن الكريم، وهما: «عَرَبي» و«أعْجَمي»، إذ لا يقف هذان المفهومان عند الحدود الجغرافية أو العرقية الضيقة، بل يؤسسان لمنهج لسانِيّ متكامل يُعيد تشكيل الوعي بالرسالة الخاتمة، بوصفها كتاب هداية واستقامة ناظماً للوجود الإنساني.
الاستقراء الإحصائي والسياقي للمصطلحين
يُظهر التتبع الاستقرائي لورود صيغة (عربي) في النص القرآني أحد عشر موضعاً تنقسم حسب مقاصدها الخطابية إلى ثلاثة أبعاد رئيسة:
ــ سبع مرات وصفاً للقرآن كمنهج عام ورسالة من الله
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]
{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه:113]
{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر:28]
{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:3]
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7]
{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف:3]
{وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ } [فصلت:44]
ـــ ثلاث مرات وصفاً للقرآن كلسان بيان وأسلوب خطاب
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل:103]
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)} [الشعراء:]
{وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف:12]
ــــ مرة وصفاً للقرآن كقوانين وأحكام وتوجيهات تشريعية ناظمة
{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ} [سورة الرعد:37]
الجذر (عَ رَ بَ): يقرر ابن فارس في مقاييس اللغة أن هذا الجذر يدور حول أصول محورية، أخصّها: الإبانة والإفصاح، والنشاط وطيب النفس، وفساد في جسم أو عضو
لن أهتم بالدلالة الأخيرة لأن كتاب الله لم يستثمر كلمة عربي كوصف لتقديم هذه الدلالة (فساد في جسم) وتأكيداً لذلك، يشير السمين الحلبي في عمدة الحفاظ إلى أن «الإعراب» يطلق بإزاء معان منها البيان ومنها التحسين، فالـمُعْرِبُ هو المتوخي للصواب والمبين عن ذاته بإفصاح.
على الطرف الآخر جاءت كلمة (أعجمي) في أربعة مواضع:
ــــ مرة اسماً بصيغة أعجميين
{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)} [الشعراء]
ــــ ثلاث مرات اسماً بصيغة أعجمي
{وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ } [فصلت:44]
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل:103]
الجذر (عَ جَ مَ): يبيّن الراغب الأصفهاني في كتابه (المفردات في غريب القرآن) أن «العُجْمة» خلاف الإبانة والأعجم من في لسانه عجمة عربياً كان أو غير عربي وقيل للبهيمة عجماء من حيث إنها لا تبين عن نفسها بالعبارة إبانة الناطق.
ويضيف الفيروزآبادي في كتاب (بصائر ذوي التمييز) أن تسمية «حروف المعجم» هي الحروف المقطعة سميت بها لأنها لا تدل على ما تدل عليه الحروف الموصولة من حيث أنها غير مؤلفة تأليف الكلام المفهوم.
البناء المعرفي للتضاد الدلالي (عربي / أعجمي)
انطلاقًا من المعطيات السياقية والمعجمية، يمكن صياغة إطار مفهومي كلي لكلا المصطلحين:
«عَرَبي» هي مفهوم عن الكمال الوظيفي والفاعلية وكقراءة لسانية وبيان خطابي: هي نعت لكل كيان يؤدي مقصده ووظيفته بأعلى درجات الكفاءة والنقاء من غير اعتلال.
{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
القرآن العربي (منهجاً): رسالة هداية خالصة من كل عيب أو نقيصة، متسامية في جودتها وأصالتها، في كل سمة تحملها وفي كل وظيفة نزلت لأجلها لا يشوبها شيء، خالصة من كل سوء ما يجعلها رسالة هداية للناس لا ريب فيها.
{وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا}
اللسان العربي (بياناً): أسلوب خطابي يجمع بين يسر التناول وقوة الدلالة، فيرفع اللبس ويوصل الفكرة إلى الذهن بأسلوبٌ يؤدي دوره على أفضل صورة وأتمها، لا يصنع في ذهن المستمع حيرة من عدم فهم أو بيان.
{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا}
الحكم العربي (تشريعاً): يبين من خلال هذه الصفة عن منظومة أحكام تتسم بالحكمة والعدالة المطلقة والرحمة الناظمة لحركة الإنسان والمجتمع.
«أعجمي» بوصفها القصور والعقم الوظيفي:
تُعبر «العُجْمة» عن وجود الخلل الذي يحول دون أداء الكيان لوظيفته المنوطة به، سواء كان ذلك الخلل مادياً أم معنوياً، والعجمة تكون:
عجمة القلوب
{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ () فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}
انغلاق إدراكي يمنع صاحبه من الاستجابة لنور الحق والتفاعل مع الرسالة، ولو كان ناطقًا بالفصحى.
عجمة اللسان
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}
ركاكة الخطاب وانعدام البيان فيه، مما يجعله عاجزاً عن حمل الحقائق أو التأثير في الألباب.
عجمة النص
{وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ }
النص الأعجمي هو كل نص قاصر، يترك قارئه في حاجة إلى بيان خارجي ليستكمل به هدايته، وهنا يأتي النفي القرآني القاطع في سورة فصلت، فكتاب الله يربأ بنفسه عن العجمة والقصور، بل هو كتاب مفصل الآيات، كامل البيان، هدى وشفاء للقلوب النقية، ولا تقع العجمة إلا في آذان وقلوب من أعرضوا عنه فصاروا كمن يُنادَوْن من مكان بعيد.
يتجلى مفهوم «أعجمي» في كل مَن عجز عن أداء دوره المنوط به، وقَصُرَت أهليته عن بناء تواصلٍ فعّال، سواء أكان ذلك على مستوى الخطاب وفصاحة البيان، أم على مستوى إدراك سنن الأشياء وعلاقاتها، وكل ما يعجز الإنسان عن فهمه والتفاعل معه بأسلوبٍ قويم، يغدو إزاءَه أَعجميّاً، لعدم قدرته على الاستجابة الصحيحة له.
ومن هذا المنطلق، وَصَف اللهُ سبحانه فئةً من الناس بالعُجمة، لكونهم لم يتفاعلوا مع آيات الله كما ينبغي، ولم يستجيبوا لندائه، لا لآفةٍ في ألسنتهم ولا لقصورٍ في فهمهم لأسلوب الخطاب، بل لـ «عُجمةٍ في القلوب» التي أُغلِقت بأكِنّةٍ حَجَبَتها عن فقه الرسالة، حتى غدا أصحابُها كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلاً.
كما وُصِف اللسانُ بالعجمة حين يَنكُص عن الحق، فيعجز عن البيان فلا يُفهَم، ويفتقر إلى التماسك فلا تأنس له الأذن، وتغيب عنه الروح فلا يطمئن له القلب، ويخلو من البرهان فلا تصدقه الألباب، فكيف لِمن هذا نعتُه وهذه صفاتُه أن يكون معلِّماً لِمَن ينطق بالبيان المبين، ويدعو إلى العدل والإحسان، ويحمل كلام الرحمن؟!
وعلى هذا النسق، يُعدُّ أيُّ كتابٍ أو منهجٍ يترك الإنسانَ في ظمأٍ إلى البيان والتفصيل، أو يُقصِّر عن استيفاء حاجة مُتلقّيه فيدفعه للبحث عن الهداية في مصادر أخرى، كتاباً «أعجميّاً»، ولو شابَ كتابَ اللهِ نقصٌ في تقديم مفاهيم الهداية -حاشاه- لَفَتَحَ ذلك باباً للريب والشك، وهو ما يباين جوهرَ الرسالة الإلهية.
{ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]
إنّ هذه الفكرة السامية تشكّل جوهرَ المعنى المُراد، لتكون ردّاً حاسماً وحجّةً قاطعةً على كل مَن يَدَّعي عدم وضوح دلالات كتاب الله، أو يزعم قصورَه عن تفصيل مفاهيم الهداية التي تمكّن الإنسان من ممارسة عبوديته لله على أكمل وجه وأبين مسار.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/24