بين حقيقة اللسان ووهم التأويل: قراءة نقدية في مقولة "القرآن حمّال أوجه" ومفهوم "ظني الدلالة
تأسست الفاعلية التأويلية المعاصرة على افتراضٍ مفاده أن اللفظ القرآني يمتلك طاقة استيعابية مفتوحة تتسع لتعدد الدلالات، بل قد تجمع بين المعنى وضدّه أحياناً ، استناداً إلى المرونة البيانية للسان العربي، ولمّا كان النص القرآني محمولاً في بنيته على أصول هذا اللسان، فقد أدى هذا الافتراض إلى تجريد الخطاب الإلهي من ثوابته الدلالية القطعية تحت ذريعة أن القرآن «حمّال أوجه»، وتحويل نصه إلى مادة هلامية تتشكل ابتداء بتشكل الأطر العقدية والمشارب الفكرية، وتتغير بتغير الأدوات المعرفيّة، والظروف الزمانيّة والمكانيّة التي يعيشها المتلقي، وإن هذا الافتراض بداية قد لاقى قبولاً في النسيج البنيوي للفكر الأصولي التقليدي، بعد أن توشح بالمقولة التي تدندن بمفهوم «ظني الدلالة»، حتى غدا هذا الافتراض حجر الزاوية في مناهج الاستنباط الفقهي والعقدي، ومبرراً لمأسسة الخلاف وتفتيت الوحدة الدلالية للخطاب المنزل من الله
إن تهيئة الفضاء الفكري لقبول هذه التعددية الدلالية عبر ثنائية «حمّال أوجه» و«ظني الدلالة»، أسهمت بشكل مباشر في إسقاط مفاهيم مستحدثة على كتاب الله، لم تعهدها بيئة التنزيل الأولى ولا لسانها البكر، وهو أمر على غاية من الخطورة، مرّ في التاريخ الديني دون مراجعة نقدية جادة
هنا يبرز السؤال الجوهري والمحوري: ما هي الأسباب الكامنة وراء تبني الفكر التقليدي والحداثي -على حد سواء- لهذا الرؤية، وما هي الدوافع لسعيهم الحثيث لتثبيت شرعيتها؟
قبل الإجابة، يقتضي المنهج البحثي التحرير المصطلحي لهذين المفهومين
حمّال أوجه: وهو اللفظ الذي يحتمل سياقه لتوجيه المراد إلى أكثر من معنى، ليتسع النص لخيارات تأويلية متعددة بناءً على سعة دلالة مفرداته
ظني الدلالة: هو اللفظ الذي يدل على معنى أصيل، لكنه يحتمل الصرف والتأويل إلى معنى آخر غيره
تتوزع الدوافع الكامنة وراء شرعنة التعددية الدلالية بين مسارين فكريين
:أولاً: المنهج التقليدي يقول
إن القول بأن القرآن حمّال أوجه يمكن صرفه على وجه صحيح، إذا كان المراد منه حمل آيات القرآن على ما تتحمله لغة العرب ببلاغتها ودلالاتها المعروفة عند أهلها، وقد يكون هذا القول على الحقيقة صحيحاً بالنظر إلى الآيات (ظنية الدلالة) أو إلى الآيات (المتشابهات) التي تحتمل أكثر من فهم وليس بإخضاع آيات القرآن الكريم إلى منهجيات تأويلية حداثية تُخرج النص القرآني عن دلالته التي تحتملها لغة العرب مما يولّد ذلك تأويلات فاسدة وباطلة ومضللة، كما أنه عن طريق وجود نصوص ظنية الدلالة يُمكن القبول بمساحة من الاختلاف بين المسلمين في عدد من المسائل كي يتراحموا ويسع بعضهم بعضاً شريطة أن يكون هذا الاختلاف اختلافاً سائغاً له حظ من النظر، قائماً على الاختلاف في فَهْم الدليل والبرهان
:ثانياً: المنهج الحداثي يقول
،يصحّ أن يُقال عن القرآن (حمّال أوجه) وهذا الأمر من صميم إعجازه وحيويته، ويتماشى مع صيرورة الزمان واتساع المعرفة الإنسانية، فكلما ارتقت وسائل البحث وتطورت أدوات القراءة، انقشعت حجُب جديدة عن النص القرآني تختلف عما أدركه من سبق، فالمفردة الواحدة قد تمنح معنى يناسب عصراً بعينه، وتجود بمعنى آخر يواكب عصراً متقدماً، وهي بذلك تعطي مساحة للاجتهاد والتأويل ما يجعل الدين حيّاً متحركاً في العقول والأفهام، وبهذا نضمن ديمومة النص وفعاليته في الوعي المجتمعي، ولو كانت نصوص الدين كلها «قطعية الدلالة»، لجمدت حركة الإبداع والتطور، و لتعطلت طاقات التفكر والنظر والتدبر التي أمر الله بها
محاكمة منطقية وفرضيات السؤال
إن إخضاع مقولة «الظنية والتعدد» للمنهج النقدي يثير تساؤلات معرفية تمسّ جوهر الفكرة، وأول هذه الأسئلة: هل كان النص القرآني زمن التنزيل ظني الدلالة؟ ثم كيف كان التزام مجتمع التنزيل بدلالة النص؟
إن الجواب عن مثل هذه الأسئلة المصيرية يمثل مفاتيح الحل لفك مغاليق هذه المسألة
إذا كان النص القرآني ينطوي في طبيعة خطابه على مفهوم ظني الدلالة وتعدد الأوجه منذ لحظة التنزيل الأولى، فهل كان الجيل الأول من المخاطبين إذاً عرضة لفهوم متباينة في التفاعل مع النص القرآني؟
لو كان الأمر كذلك، لكان جيل الصحابة عرضة لاختلاف كلي وتناحر دلالي يعيق التلقي والامتثال، فكيف يستقيم التكليف الإلهي المأمور به جازماً إذا كانت أوامر النص يكتنفها الغموض والضبابية؟
إن غياب القطعية الدلالية في النص القرآني يمنح المكلَف حجة دائمة للتحلل من الالتزام لعدم التيقن من مراد الشارع، والقول بأن وجود النبي ﷺ كان العصمة المانعة للخلاف، فإنه سيؤدي إلى نتيجة مفادها أن وفاته كانت إيذاناً بتشتت دلالي حتمي
وإن قال قائل: إن السنة النبوية سدّت هذه الفجوة، فمثل هذا القول سيصطدم بواقع تشرذم الأمة جراء إخضاع المأثور نفسه لقواعد (ظنية ثبوت السند وظنية دلالة المتن)، مما سار بالأمة إلى مزيد من التشرذم والخصومة، فكيف لأمة بعد هذا أن تتحد، وكتابها المرجعي يحمل في طبيعته بذور تفرقها باختلاف دلالاته؟
وقبل ذلك هل حدد الله ورسوله تخوماً واضحة لقطعي الكتاب وظنيه حتى لا تختلط الأمور، فلا ينزلق المتشابه إلى محكم ولا نصرف القطعي المحكم فنجعله ظني محتمل، فنقع في محظور عظيم؟
مآلات الظن ومقاصد اللسان
إن الركيزة الأساس لفرضية «حمّال أوجه» تنطلق من فكرة التعدد الدلالي للمفردة في اللسان العربي، مما يتيح للباحث توجيه السياق القرآني نحو المساحات الفكرية والعقدية والفقهية التي يتبناها، مستعيناً بقرائن وأدوات، تارة لسانية وتارة تاريخية وأخرى معارف تخصص، فهل يستقيم مثل هذا المسار في ميزان الحكمة الإلهية والعدالة الربانية؟
كيف لربّ العالمين أن يحاسب الخلق حساباً أبدياً، يترتب عليه خلودٌ في جنة أو نار، بناءً على تكاليف يشوبها الظن، ويلفّها الغموض، وتحتمل الريبة في الفهم والامتثال؟ إن قبول التكليف الظني يتنافى كلياً مع كمال العدل الإلهي
ثم إن المقصد الوجودي من نشوء اللسان (اللغة) هو الإبانة الدقيقة والوصول إلى أقصى درجات الوضوح والتواصل المعرفي المستقر وذلك خدمة لأغراض بعينها، مما يصنع ذلك حالة تواصل مستقرة بين الناس، ولولا هذا الاستقرار الدلالي لانفرط عقد المجتمعات، ولدخلت العلاقات الإنسانية في نفق من اللبس والتشويش، ولو كان الأمر على غير ذلك، لما استطاع الإنسان أن يكشف عن مراده الذي لا التباس فيه، ولكان ذلك أدعى إلى اللبس في فهم الناس بعضهم لبعض، وفهم الغايات التي تُطلب، مما يؤدي جزماً إلى فوضى اجتماعية وصراعات مدمرة، والله سبحانه يرفض هذه الفوضى، بل جعل الغاية من التنوع المعرفي واللساني هو التواصل والوئام
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات:13
إذا لم يفهم المستمع مقصد القائل فكيف لأواصر الصلة أن تنجح وترتقي؟ وإذا لم يحدد القائل مراده بكلمات لا توهم على المستمع، فكيف للغايات التي نريدها أن تتحقق وتصل إلى حالة التفعيل؟ هذا منطق حال البشر بعضهم مع بعض، فكيف إن كان الأمر مع الله، كيف للصلة الطيبة الصحيحة أن تتحقق بين الله والعباد وهو مرسل الرسالات؟ وهل يجعل الله من كلماته مسرحاً للربية وعدم اليقين في تحديد مرادها ودلالاتها؟ فكيف للعباد إذاً أن يحققوا الصلة مع الله وهم في ظن مما تريده كلمات الله؟
هل من رحمة الله لعباده أن يختلفوا في مقاصد الشريعة؟
ألم تكن وحدة الأمة أهم مقصد من مقاصد الشريعة؟ ألا يكون مفهوم حمالِ أوجه على ذلك مدخلاً لتفرق الأمة ونشر أفكار التمزق والاختلاف؟
إن الحرام الذي حرمه الله أصالة لا يمكن أن يصبح حلالاً مهما تطورت المعارف وتبدل الزمن، وإن القوانين التي سنها الله أصالة لعباده، فإنه سنها انطلاقاً من مفهوم العدل والخير، والعدل والخير لا يتبدلان بتطور المعارف وتبدل الزمن، وإن الله عندما أنزل كتابه جعل من خلاله مقاصد وسبل هداية ثابتة واضحة لاريب فيها، وهذا ما سيحاسبنا عليه الله، وسندخل الجنة أو النار تبعاً لالتزامنا بهذه السبل ومع هذه المقاصد، لذلك لا يمكن أن تكون كلمات الله حمالة أوجه أو ظنية الدلالة، فتفرقنا السبل وتتوه بنا الغايات فنضل ونشقى
إن الله حين أمرنا أن نعتصم بكتابه ولا نتفرق أمرنا أن نرد أي تنازع إلى آياته فيقضي كتاب الله بيننا بالحق الثابت الذي لاريب فيه، فكيف لنا إذاً أن نرد التنازع إلى قضاء ومنهج هو نفسه سيكون في طبيعته مسرحاً للتنازع في دلالاته من خلال ما يحتمله من أوجه وما يتضمنه من آيات ظنية الدلالة؟ سبحانه وتعالى عما يصفون
ـــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ـــ
2026/9/17