تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة»
دراسة رقم (3)
تثير رؤية الدكتور محمد شحرور في مصنَّفه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» عند القارئ أسئلةً حول قضايا منهجية أقام عليها مشروعه التجديدي، وتترتب هذه الأسئلة عبر المحاور النقدية الآتية:
السيولة الدلالية ومفهوم الهداية القرآنية
يقول الدكتور محمد شحرور في تعليقه على الردود التي وُجّهت إلى مصنفه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» عبر مدونة القدس:
«ومن هنا قلنا إن المجتمعات هي التي تشارك في صنع المعاني حسب تطور معارفها، لكن هذه التطورات هي نفسها محسوبة في التنزيل، بحيث مهما امتدت واتسعت فسيجد الإنسان أنها منسجمة مع النص القرآني ودائرة في فلكه» (10).
ويقول أيضًا:
«فقد جاء التنزيل يحمل في ذاته تطويراً لغويّاً لم يعرفه الجاهليون في لسان قبله، ففيه مفردات أتى بها من لغات أخرى غير العربية، وفيه أسلوب متميز بالنظم يخرجه كليةً من دائرة الشعر التي عرفها العرب، وفيه مصطلحات مستحدثة انفرد بها لم تكن موجودة قبله، وهذا وأشباهه كثير كثير... هذه النقاط -كمرتكزات للمنهج- هي التي انطلقتُ منها في محاولة فهم النص القرآني» (11).
يرتكز طرح الدكتور محمد شحرور على مقدمتين أساسيتين:
ــ إسناد إنتاج المعاني وصياغتها إلى الصيرورة المعرفية للمجتمعات.
ــ القول باشتمال التنزيل الإلهي على مستحدثات لغوية وألفاظ ومصطلحات لم يعهدها اللسان ما قبل البعثة.
إن ربط دلالات النصوص بالتحول المعرفي المفتوح يُدخل المنهج في «سيولة دلالية» تُفقد النص استقراره المفهومي، فمتى أصبحت المعاني متغيرة بتغير الأجيال، انفرط عقد الدلالة الجامعة، وتعددت القراءات بعدد البيئات المعرفية، ما يفضي إلى تشرذم المرجعية الدينية واستحالة تحقق الوحدة الفكرية. ولن نكتفي حينها بخمسة مذاهب، بل سنصنع آلاف المذاهب والملل وكلٌّ سينتصر لمذهبه وملته، ولن يكون لنا قراءة معاصرة واحدة، بل سنشهد آلافاً من القراءات التجديدية المتصارعة انطلاقاً من التطور المعرفي لكل بيئة، وهيهات هيهات أن تملك هذه الأمة بعد ذلك وحدة أمرها، بل سيمزقها ذلك أكثر فأكثر.
إن افتراض ورود مصطلحات غريبة عن المباشرة اللغوية لزمن التنزيل -كما يردد الدكتور محمد شحرور وكما يكرره البعض- ما هو إلا افتراض لا يرقى إلى درجة الثبات والصدقية وفيه كثير من التلبيس، وهذا الافتراض أصالةً يصطدم بالوظيفة الأولى للقرآن بوصفه «كتاب هداية وبلاغ مبين»، إذ تشترط الهداية قيام البيان على معهود المخاطَبين ليتسق الفهم ويصح التكليف، وعلى ذلك لا يصح ولا يجوز بناء مرتكز منهجي على مثل هذا الافتراض الذي يشوبه كثير من الوهم والظن.
مفارقة النقد السلفي والاتساق المنطقي
ثم يقول الدكتور محمد شحرور في السياق ذاته حين يفنّد مرتكزات منتقديه (رقم 2):
«وهذا ما تتبناه المدرسة السلفية التي تريد للتاريخ أن يقف عند مرحلة السلف، وتحكم بالضلال على كل من يخرج عنها من مجتمعات أهل الأرض».
يوجه الدكتور محمد شحرور نقداً للمدرسة السلفية بدعوى احتكارها للحق والحكم بالضلال على من يخالفها، بيد أن هذا النقد يستدعي محاكمة منطقية للمنهج ذاته الذي يقدمه:
فرضية الإقصاء: إن كان المخالف لمنهجه التأويلي يُعد ضالاً ويترتب على مخالفته جزاء أُخرويّ، فقد وقع المنهج في الذاتية والإقصاء اللذين عابهما على غيره.
فرضية الترف الفكري: وإن كان الخلاف معه لا يترتب عليه ضلالٌ ولا يؤثر في النجاة يوم الدين، فإن مشروعه برُمّته يرتد إلى مساحة السجال النظري البارد والترف الفكري الذي يفتقر إلى النجاعة التكليفية والعملية.
المفارقة في الغاية وتكاليف الطرح التجديدي
تتجلى المفارقة فيما ينتهي إليه هذا المصنف الضخم «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» الذي يتجاوز سبعمئة صفحة، إذ يخلص إلى القول بالنجاة الشاملة لعموم البشر على اختلاف مللهم وعقائدهم، وهنا يبرز سؤال الجدوى: فإذا كانت غاية النجاة في الآخرة متحصلة للجميع، فما الداعي لتجشيم القارئ عناء قراءة تأويلية معقدة؟
كان الأجدر بهذا الخطاب التجديدي أن يتجه نحو العلوم المادية، وعمران الأرض، ومكافحة الظلم —وهي مقاصد قرآنية كلية حازت القبول عند الجميع— بدلاً من استهلاك الجهد في شروح جدلية وتفسيرات كلامية لا تغير من النتيجة التكليفية شيئًا في الدنيا أو في الآخرة.
التكلف التأويلي وإقحام مفردات الجدل العقيم
يقول الدكتور محمد شحرور في مصنفه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» (صفحة 326):
«تبين هذه الآية: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] أن قوانين الجدل هي من القرآن، وأن الأمثال المضروبة في الكتاب هي من القرآن، وهنا قوله: {أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} استعمل كلمة أكثر للدلالة على الزيادة الكمية في الجدل، أي أن الجدل الموجود في الأشياء موجود في الإنسان، ولكن هناك جدلاً موجوداً في الإنسان غير موجود في الأشياء وهو جدل الفكر، ولو كان جدل الإنسان هو نفس جدل الأشياء ــ ولكنه أوضح في الإنسان ــ لقال: (وكان الإنسان أكبر شيء جدلاً)».
يظهر هنا مسلك «استنطاق النص» بوضوح في تعامل الدكتور محمد شحرور مع النص القرآني، حيث عقد مفاضلة بين لفظتي (أكثر) و(أكبر) ليُسقط قوانين الجدل الفلسفي والمادي على الآية، متكلفاً التفريق بين الجدل الكمي للجماد والجدل الفكري للإنسان.
إن هذا النمط من التحليل يقسر الألفاظ القرآنية على خدمة مقولات كلامية مسبقة، محوّلاً الخطاب القرآني من بساطة الهداية إلى تعقيد الجدل الفلسفي إذ يسعى في مشروعه إلى تجريد النص القرآني من التراكم الفقهي والكلامي الموروث، مستبدلاً أدوات الأصول القديمة بالمنطق الجدلي ومصطلحات العلوم الطبيعية والهندسية.
وهذا المسلك يمثل استئنافاً للنزعة الجدلية عند المعتزلة في تاريخ علم الكلام، ولكن بقالب حداثي (مقولات المادية والديالكتيك)، إذ استبدل سلطة «التراث» بسلطة «النظريات المعرفية المعاصرة»، ما يجعل النص القرآني رهيناً لفرضيات فلسفية ظنية ومتغيرة، ومعها ينتهي الأمر إلى تعقيد الميسَّر وتحويل النص القرآني من كونه كتاب هداية تشريعية وروحية إلى وثيقة جدلية محكومة بظرفيتها المعرفية.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
2026/9/10