مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة ـــ الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
"واجعل لي لسان صدق في ٱلۡأٓخِرِين * واجعلني من ورثة جنة النعيم"
أخطُّ هذه الكلماتِ وأنا أرقبُ شمسَ العمرِ وهي تميلُ نحو مغيبها، في خريفٍ تتساقط فيه أوراق السنين، لتقتربَ الرحلة من خواتيم مقاصدها، والمنطقُ الإنسانيّ الحصيفُ يقضي بأنّ مَن يكتبُ في هذه المرحلة البرزخ من حياته، يكون على نحو ما قد تطهّر من حظوظ النفس، وتسامى عن مطامع الدنيا وزخرف الشهرة.
إنما هو دافعٌ واحدٌ يحرّك القلم: رجاء بأن تبقى هذه الكلمات تذكرةً حيةً، وأمانةً مودَعةً في ضمائر الإخوة والأبناء الذين استُحفِظوا على ثغور هذا الدين، وحملوا مشاعل رسالته.
لقد كانت بداياتي مع مسيرة الالتزام الدينيّ غرسةً غضةً في ساحات الطهر الأولى، نتحلّق فيها مع صحبةٍ بررة، فرّقتنا تصاريف العليم القدير بعد ذلك، فمضى كلٌّ إلى قَدَره ومآله الذي اختاره الله له.
أما أنا، فكانت مشيئة الله تقدّر لي أن أكون من أولئك الذين طُويت فتوّتهم مبكراً، فقد ألقت بي يد الظلم في غياهب الاعتقال السياسيّ ولم أُجاوز السابعة عشرة من عمري، وذلك تبعاً لخيار، أنا ارتضيته وإن كان على بساطة من وعيي السياسيّ والفكريّ آنذاك، ذلك الخيار كان انحيازاً فطرياً لصفِّ الرافضين للظلم، والمنعتقين من ربقة الاستبداد والفساد، فكان الثمن باهظاً بحجم الطهر الذي لابد أن تكنّه الصدور.
لقد غُيبتُ في قيود الاعتقال مدة طويلة إذ سرقتْ جدرانه المرعبة من عمري إحدى عشرة سنة، مثّلت لي انتقالاً وجودياً، قطيعةً مع عالم قديم وولادةً من رحم عالمٍ جديد، تركتُ خلفي أهلاً وأصدقاءَ شقَّ عليَّ فراقهم، لكنّ الله جبر هذا الفقد بأن جمعني في معتقلي بأفاضل الناس وخيرة النخب، فكان لقاؤهم بلسماً لوعثاء الطريق، وأُنساً في وحشة القيد.
أنا لن أستفيض هنا في سردِ أدبيات السجون التقليدية، أو الحديث عن صنوف التعذيب الممنهج وآلامه الجسدية والنفسية، ولا مرارة المرض وعزلة الجدران الأربعة ونحن نترقب خطوات "السياط" وهي تلهب أجساد الطليعة من إخواننا، بينما ترتد أصداء آهاتهم في مسامعنا وقلوبنا، ولكني سأستذكر قليلاً تلك المعجزة التي صنعها أولئك الذين كبلت القيود أجسادهم ولم تكبل قلوبهم، تلك المعجزة التي تكمن في "مقاربة التكيف" لهؤلاء الكرام، إذ تحولت ساحات الألم وأقبية الحزن ببرودتها الموحشة إلى مدرسة فكرية وتربوية فريدة، ينهل منها كلُّ صادقٍ ما تزكو به نفسه ويطمئن إليه قلبه.
إنّ مَن خبروا معتقل "تدمر" الرهيب، على اختلاف مشاربهم، وتنوع توجهاتهم، قد جُبلوا من طينةٍ صلبة صهرتها الآلام، ليكون منهم طلائع الخير وبشرى المودة، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.
في أروقة هذه المدرسة القاسية، كنا نتدارس القرآن الكريم، ولقد منّ الله عليّ -كما مَنَّ على الكثيرين- باستظهار كتابه الكريم عن ظهر قلب، ولقد كنا نرتل آيات الله الكريمة في الوقت الذي كانت سياط الجلادين ترسم خطوط الدم على الأجساد، حتى تماهت صور التضحية والابتلاء مع كل آية، وغدت ذكراها رفيقاً لا ينفك عن تلاوتنا، تسافر بنا إلى ذلك الأنين الذي رددته صخور مكة، فنستعيد ذلك التاريخ ليكون لنا فيه العزاء.
يُقال: إن ذلك المجتمع المكبل داخل تلك الأسوار القاسية قد أثقلته الأخطاء ولم يخلُ من نكسات وتجاوزات، نعم، إنها حقيقة بشرية، فلسنا ملائكةً مطهرين، بل كنا تلاميذ في مختبر الألم والظلم، والمنهجية العلمية الصادقة في تقييم التجارب التاريخية لا تحاكم "التلميذ" لوقوعه في خطأ أثناء التعلم، بل تحاكمه بـما تؤول إليه الأمور وتُختم به القضايا.
إن النتائج هنا هي المعيار الحقيقي للنجاح، نتائجُ عُمِّدت بدموع القهر وآهات الوجع ونزيف الجراح، لكنها كُللت بطمأنينة وسكينة قذفها الله في قلوبنا فاستقرت بها النفوس.
لقد علمتني محنة الاعتقال أن المسلمين أمة واحدة، وما كان لهم أن يكونوا غير ذلك، وهم قادرون على صناعة حاضرهم ومستقبلهم محصنين بمفهوم الأمة الواحدة، أما الشعارات والأفكار التي تفرق فهي ليست من دين الرحمن الرحيم، وما تفرقنا الآن إلا عَرَض لحالة نفسية وأزمة أخلاقية يعيشها العالم الإسلامي، وما تلك الأفكار التي تنهش من وحدة المسلمين إلا سهاماً سامة، لذلك علينا جميعاً أن نتحلى بالصبر والروح الطيبة والقلوب الصادقة حتى نعيد سيرة المسلمين الأولى، وحدتهم وصدقهم ووعيهم ومسؤوليتهم.
...على حبي الشديد لكل من التقيت معهم ولا أميز أحداً فإني لن أنسى تلك القلوب التي أرادت أن تكون حرة كريمة...
خرجتُ من المعتقل لأواجه الحياة بولادة جديدة وقوانين مغايرة، لذا قررت ألّا أستسلم، فجمعت بين السعي طلباً للرزق وبين دأب الدراسة، نلت الشهادة الثانوية، ثم سلكت مسيرتي في رحاب البحث الجامعي فدرست في جامعة دمشق كلية الآداب قسم اللغة العربية، وكانت دراستي هذه بوابتي الأولى لأرى الصورة على اتساعها، ثم على مدار سنوات طويلة أبحرت بشغف في شتى صنوف الفكر، وأشرعتي في هذا كلمات الله توجهني حيث الخير، فأستعين بالكتاب لأقرأ منه حركة التاريخ والإنسان، حتى انبلج فجر الثورة في سورية الحبيبة، فهبّ الشعب المكبل ليكسر قيود الذل والقهر، وتوالت الأحداث الجسام التي أجبرت الآلاف -وأنا منهم- على ركوب بحار الهجرة واللجوء، حيث ألقت بي أقدار الله في بلد السويد، لتبدأ فيها تجربة جديدة.
مع طي السنوات الأولى في هذا المهجر الجديد، وعبوري عتبة الخمسين، وقفت وقفة مراجعٍ متأملٍ لما خلا من العمر، شعرتُ بواجب يخاطبني: ماذا سأصنع قبل أن أغادر هذه الدنيا؟
لقد وجدتُ لزاماً عليّ أن أقدم زبدة هذه السنين وعِبَرها المستفادة قبل المغادرة، وفاءً بجزء من الأمانة الثقيلة التي طوّق الله بها أعناقنا، وتوكلت على الله فجمعت ما استخلصته من عبر، هي قراءة في كتاب الله وما كان من عظات التاريخ وتجارب الوعي والمسؤولية، لتكون رسالة حرصٍ وذكرى، أقدمها خالصةً إلى أولئك الصاعدين الذين يريدون اختبار التجربة، وامتحان الصدق والإيمان، إنها رسالة أخوة مخلصة، وحرص مشفق، وذكرى عابرة تمتد ما شاء الله لها أن تمتد، عسى الله أن يجعل لي بها لسان صدق في الأخرين، وبشرى خيرٍ يقبلني بها في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، نعم المولى ونعم النصير.
ــ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ــ
الفقير إلى الله والراجع إليه
عبد الحميد أبو النعاج
ثمة مفارقةٌ لافتة في أدبيات الدراسات القرآنية المعاصرة، فبينما يلهج الباحثون بقضية وجوب مسيرة تدبر القرآن ووضوح دلالاته ويسر معانيه ، نراهم يحيلون مقاصده ودلالاته في دراساتهم القرآنية إلى ألغازٍ معقدة، تتطلب أدواتٍ تفكيكية مجهدة
-----------------------------
أصل كلمة اقرأ الجذر قرأ ....
-----------------------------
تفكيك المنهج التجديدي للدكتور محمد شحرور من خلال قراءة نقدية لأركان نظريته المعرفية في مصنفه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)
-----------------------------
لا تنعقدُ الدراسةُ اللسانيةُ في جوهرها كحقلٍ معرفيٍّ جامدٍ يقتصرُ على تفكيك بُنية الكلمة وتتبعِ الظواهر الصوتية المجردة للحروف، بل هي في حقيقتها نشاطٌ إدراكيٌّ وحركةُ وعيٍ تغوص في فقه الخطاب الإنساني، بوصفه الأداةَ الحيويةَ الصانعةَ للتفاعل المجتمعي، وعلى ذلك فالدراسة اللسانية هي سلوك مسؤول في فهم الكلمة وبناء الجملةِ وصياغة النص وصناعةِ الحوار.
-----------------------------
التاريخ ليس سجلاً للأحداث فقط بل هو مصدر أساس لتفعيل إدراكنا المعرفي وإثراء هويتنا الفردية والجمعية وتعزيز شعورنا بالانتماء لقضية إنسانية اتسعت عبر الزمان والمكان.
-----------------------------
فتبينوا